Skip to content

تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية [سورة الشرح (٩٤) : الآيات ١ إلى ٨]

تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية

الألوسي، شهاب الدين

Printed page ١٥/ ٣٨٩

وإسناد الإنقاض للحمل إسناد للسبب الحامل مجازا والمراد بالحمل المنقض هنا ما صدر منه ﷺ قبل البعثة مما يشق عليه ﷺ تذكره لكونه في نظره العالي دون ما هو ﵊ بعد، أو غفلته عن الشرائع ونحوها مما لا يدرك إلّا بالوحي مع تطلبه ﷺ له أو حيرته ﵊ في بعض الأمور كأداء حق الرسالة أو الوحي وتلقيه فقد كان يثقل ﷺ في ابتداء أمره جدا أو ما كان يرى ﷺ من ضلال قومه مع العجز عن إرشادهم لعدم طاعتهم له وإذعانهم للحق، أو ما كان يرى من تعديهم في إيذائه ﵊ أو همه ﵊ من وفاة أبي طالب وخديجة بناء على نزول السورة بعد وفاتهما، ويراد بوضعه على الأول مغفرته، وعلى الثاني إزالته غفلته ﵊ عنه بتعليمه إياه بالوحي ونحوه، وعلى الثالث إزالة ما يؤدي للحيرة، وعلى الرابع تيسيره له ﷺ بتدربه واعتياده له، وعلى الخامس توفيق بعضهم للإسلام كحمزة وعمر وغيرهما، وعلى السادس تقويته ﷺ على التحمل، وعلى السابع إزالة ذلك برفعه إلى السماء حتى لقيه كل ملك وحياه وفوزه بمشاهدة محبوبة الأعظم ومولاه ﷿. وأيّا ما كان ففي الكلام استعارة تمثيلية والوضع ترشيح لها وليس فيه دليل لنا في العصمة كما لا يخفى. واختار أبو حيان كون وضع الوزر كناية عن عصمته ﷺ عن الذنوب وتطهيره من الأدناس. عبر عن ذلك بالوضع على سبيل المبالغة في انتفاء ذلك كما يقول القائل: رفعت عنك مشقة الزيارة لمن لم يصدر منه زيارة على طريق المبالغة في انتفاء الزيارة منه له والتمثيل عليه بحاله على ما قيل. وقيل المراد وزر أمتك وإنما أضيف إليه ﷺ لاهتمامه بشأنه وتفكره في أمره، والمراد بوضعه رفع غائلته في الدنيا من العذاب العاجل ما دام ﷺ فيهم وما داموا يستغفرون فقد قال سبحانه وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال: ٣٣] ولا يخفى بعد هذا الوجه. وقرأ أنس «وحططنا» و «حللنا» مكان وَضَعْنا. وقرأ ابن مسعود «وحللنا عنك وقرك» .

وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ بالنبوة وغيرها وأي رفع مثل أن قرن اسمه ﵊ باسمه ﷿ في كلمتي الشهادة، وجعل طاعته طاعته، وصلى عليه في ملائكته، وأمر المؤمنين بالصلاة عليه، وخاطبه بالألقاب ك يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر: ١] يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [المزمل: ١] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ [الأنفال: ٦٤ وغيرها] يا أَيُّهَا الرَّسُولُ [المائدة: ٤١، ٦٧] وذكره سبحانه في كتب الأولين، وأخذ على الأنبياء ﵈ وأممهم أن يؤمنوا به ﷺ. وروي عن مجاهد وقتادة ومحمد بن كعب والضحاك والحسن وغيرهم أنهم قالوا في ذلك:

«لا أذكر إلا ذكرت معي» .

وفيه حديث مرفوع أخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «أتاني جبريل ﵇، فقال: إن ربك يقول: أتدري كيف رفعت ذكرك؟ قلت: الله تعالى أعلم، قال: إذا ذكرت ذكرت معي» .

وكان ذلك من الاقتصار على ما هو أعظم قدرا من إفراد رفع الذكر، ويشير إلى عظم قدره قول حسان:

أغر عليه للنبوة خاتم ... من الله مشهود يلوح ويشهد

وضم الإله اسم النبي إلى اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذن أشهد

ولا يخفى لطف ذكر الرفع بعد الوضع والكلام في العطف وزيادة لَكَ كالذي سلف، والفاء في قوله ﷿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً على ما في الكشاف فصيحة. والكلام وعد له ﷺ مسوق للتسلية والتنفيس. قال: كان المشركون يعيرون رسول الله ﷺ والمؤمنين بالفقر والضيقة حتى سبق إلى ذهنه الشريف ﵊ أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله واحتقارهم، فذكره سبحانه ما أنعم به عليه من جلائل