تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية
بكر وعمر، وذهب إلى تفسيره بهما عكرمة وميمون بن مهران وغيرهما،
وأخرج الحاكم عن أبي أمامة والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في فضائل الصحابة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ أبو بكر وعمر
، وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان أبي يقرؤها وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ أبو بكر وعمر، ورجح إرادة ذلك بأنه اللائق بتوسيطه بين جبريل والملائكة ﵈ فإنه جمع بين الظهير المعنوي والظهير الصوري كيف لا وإن جبريل ﵇ ظهير له ﷺ يؤيده بالتأييدات الإلهية وهما وزيراه وظهيراه في تدبير أمور الرسالة وتمشية أحكامها الظاهرة مع أن بيان مظاهرتهما له ﵇ أشد تأثيرا في قلوب بنتيهما وتوهينا لأمرهما.
وأنا أقول العموم أولى، وهما- وكذا علي كرم الله تعالى وجهه- يدخلان دخولا أوليا، والتنصيص على بعض في الأخبار المرفوعة إذا صحت لنكتة اقتضت ذلك لا لإرادة الحصر، ويؤيد ذلك ما
أخرجه ابن عساكر عن ابن مسعود عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال في ذلك: من صالح المؤمنين أبو بكر وعمر
، وفائدة بَعْدَ ذلِكَ التنبيه على أن نصرة الملائكة ﵈ أقوى وجوه نصرته ﷿ وإن تنوعت، ثم لا خفاء في أن نصرة جميع الملائكة- وفيهم جبريل- أقوى من نصرة جبريل ﵇ وحده.
وقيل: الإشارة إلى مظاهرة صالح المؤمنين خاصة فالتعظيم بالنسبة إليها، وفي التنبيه على هذا دفع توهم ما يوهمه الترتيب الذكري من أعظمية مظاهرة المتقدم، وبالجملة فائدة بَعْدَ ذلِكَ نحو فائدة- ثم- في قوله تعالى:
ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وهو التفاوت الرتبي أي أعظمية رتبة ما بعدها بالنسبة إلى ما قبلها وهذا لا يتسنى على ما نقل عن البحر بل ذلك للإشارة إلى تبعية المذكورين في النصرة والإعانة ﷿، وأيا ما كان فإن شرطية- وتظاهرا- فعل الشرط، والجملة المقرونة بالفاء دليل الجواب، وسبب أقيم مقامه، والأصل فإن تَظاهَرا عليه فلن يعدم من يظاهره فإن الله مولاه، وجوز أن تكون هي بنفسها الجواب على أنها مجاز أو كناية عن ذلك، وأعظم ﷻ شأن النصرة لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم على هاتين الضعيفتين إما للإشارة إلى عظم مكر النساء أو للمبالغة في قطع حبال طمعهما لعظم مكانتهما عند رسول الله ﵊ وعند المؤمنين ولأمومتهما لهم وكرامة له ﷺ ورعاية لأبويهما في أن تظاهرهما يجديهما نفعا.
وقيل: المراد المبالغة في توهين أمر تظاهرهما ودفع ما عسى أن يتوهمه المنافقون من ضرره في أمر النبوة والتبليغ وقهر أعداء الدين لما أن العادة قاضية باشتغال بال الرجل بسبب تظاهر أزواجه عليه، وفيه أيضا مزيد إغاظة للمنافقين وحسم لأطماعهم الفارغة فكأنه قيل: فإن تظاهرا عليه لا يضر ذلك في أمره فإن الله تعالى هو مولاه وناصره في أمر دينه وسائر شؤونه على كل من يتصدى لما يكرهه وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ مظاهرون له ومعينون إياه كذلك، ويلائم هذا ترك ذكر المعان عليه حيث لم يقل ظهير له عليكما مثلا، وكذا ترك ذكر المعان فيه وتخصيص- صالح المؤمنين- بالذكر، وتقوى هذه الملاءمة على ما روي عن ابن جبير من تفسير- صالح المؤمنين- بمن برىء من النفاق فتأمل.
عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أي أن يعطيه ﵊ بدلكن أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ والخطاب لجميع زوجاته صلى الله تعالى عليه وسلم أمهات المؤمنين على سبيل الالتفات، وخوطبن لأنهن في مهبط الوحي وساحة العز والحضور، ويرشد إلى هذا ما أخرجه البخاري عن أنس قال: قال عمر: اجتمع نساء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الغيرة عليه فقلت: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ خَيْراً مِنْكُنَّ فنزلت هذه الآية وليس فيها