Skip to content

تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية [سورة يس (٣٦) : الآيات ٥٩ إلى ٧١]

تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية

الألوسي، شهاب الدين

Printed page ١٢/ ٤٦

تعالى هو القرآن وإذا لم يكن المعلم شعرا لم يكن القرآن شعرا البتة، وفيه أنه ﵊ ليس بشاعر إدماجا وليس هناك كناية تلويحية كما قيل، وهذا رد لما كانوا يقولونه من أن القرآن شعر والنبي ﷺ شاعر وغرضهم من ذلك أن ما جاء به ﵊ من القرآن افتراء وتخيل وحاشاه ثم حاشاه من ذلك وَما يَنْبَغِي لَهُ اعتراض لتقرير ما أدمج أي لا يليق ولا يصلح له ﷺ الشعر لأنه يدعو إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ والوزن ولأن أحسنه المبالغة والمجازفة والإغراق في الوصف وأكثره تحسين ما ليس بحسن وتقبيح ما ليس بقبيح وكل ذلك يستدعي الكذب أو يحاكيه الكذب وجل جناب الشارع عن ذلك كذا قيل.

وقال ابن الحاجب: أي لا يستقيم عقلا أن يقول ﷺ الشعر لأنه لو كان ممن يقوله لتطرقت التهمة عند كثير من الناس في أن ما جاء به من قبل نفسه وأنه من تلك القوة الشعرية ولذا عقب هذا بقوله تعالى وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ لأنه إذا انتفت الريبة لم يبق إلا المعاندة فيحق القول عليهم، وتعقب بأن الإيجاز يرفع التهمة وإلا فكونه ﵊ في المرتبة العليا من الفصاحة والبلاغة في النثر ليس بأضعف من قول الشعر في كونه مظنة تطرق التهمة بل ربما يتخيل أنه أعظم من قول الشعر في ذلك فلو كانت علة منعه ﵊ من الشعر ما ذكر لزم أن يمنع من الكلام الفصيح البليغ سدا لباب الريبة ودحضا للشبهة وإعظاما للحجة فحيث لم يكن ذلك اكتفاء بالإعجاز وأن التهمة والريب معه مما لا ينبغي أن يصدر من عاقل ولذا نفي الريب مع أنه وقع علم أن العلة في أنه ﵊ لا ينبغي له الشعر شيء آخر، واختار هذا ابن عطية وجعل العلة ما في قول الشعر من التخييل والتزويق للقول وهو قريب مما سمعت أولا، وهو الذي ينبغي أن يعول عليه، وفي الآية عليه دلالة على غضاضة الشعر وهي ظاهرة في أنه ﵊ لم يعط طبيعة شعرية اعتناء بشأنه ورفعا لقدره وتبعيدا له ﷺ من أن يكون فيه مبدأ لما يخل بمنصبه في الجملة.

وإنما لم يعط ﷺ القدرة على الشعر مع حفظه عن إنشائه لأن ذلك سلب القدرة عليه في الإبعاد عما يخل بمنصبه الجليل ﷺ ونظير ما ذكرنا العصمة والحفظ، ويفهم من كلام المواهب اللدنية أن من الناس من ذهب إلى أنه ﵊ كان له قدرة على الشعر إلا أنه يحرم عليه أن يشعر وليس بذاك، نعم القول بحرمة إنشاء الشعر مقبول ومعناه على القول السابق على ما قيل حرمة التوصل إليه، وقد يقال: لا حاجة إلى التأويل وحرمة الشيء تجامع عدم القدرة عليه، وهل عدم الشعر خاص به ﵊ أو عام لنوع الأنبياء قال بعضهم هو عام لهذه الآية إذ لا يظهر للخصوص نكتة، وقيل يجوز أن يكون خاصا والنكتة زيادة التكريم لما أن مقامه ﷺ فوق مقام الأنبياء ﵈ ويكون الثابت لهم الحفظ عن الإنشاء مع ثبوت القدرة عليه وإن صح خبر إنشاء آدم ﵇ يوم قتل ولده:

تغيرت البلاد ومن عليها ... ووجه الأرض مغبر قبيح

تغير كل ذي طعم ولون ... وقل بشاشة الوجه الصبيح

اتضح أمر الخصوص وعلم أن لا حفظ من الإنشاء أيضا، ولعل الحفظ حينئذ مما فيه ما يشين ويخل بمنصب النبوة مطلقا، والنكتة في الخصوص ظاهرة على ما نقل عن ابن الحاجب لأن أعظم معجزاته ﵊ القرآن فربما تحصل التهمة فيه لو قال ﷺ الشعر وكذلك معجزات الأنبياء ﵈ فتأمل.

وأيّا ما كان لا يرد أنه ﵊ قال يوم حنين وهو على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث آخذ بزمامها ولم يبق معه ﵊ من الناس إلا قليل (١) .