تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية
أشبه قولنا ﵇ قولنا عليه الصلاة من حيث أن المراد ﵇ من الله تعالى، ففيه إشعار بالتعظيم الذي في الصلاة من حيث الطلب لأن يكون المسلم عليه الله تعالى كما في الصلاة وهذا النوع من السّلام هو الذي ادعى الحليمي كون الصلاة بمعناه انتهى.
واختلف في جواز الدعاء له ﷺ بالرحمة فذهب ابن عبد البرّ إلى منع ذلك، ورد بوروده في الأحاديث الصحيحة، منها وهو أصحها حديث التشهد السّلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ومنها قول الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمدا وتقريره ﷺ لذلك،
وقوله ﷺ: «اللهم إني أسألك رحمة من عندك اللهم أرجو رحمتك يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث»
وفي خطبة رسالة الشافعي ما لفظه ﷺ ورحم وكرم، نعم قضية كلامه كحديث التشهد أن محل الجواز إن ضم إليه لفظ الصلاة أو السّلام وإلا لم يجز وقد أخذ به جمع منهم الجلال السيوطي بل نقله القاضي عياض في الإكمال عن الجمهور، قال القرطبي: وهو الصحيح، وجزم بعدم جوازه منفردا الغزالي عليه الرحمة فقال: لا يجوز ترحم على النبي ويدل له قوله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور: ٦٣] والصلاة وإن كانت بمعنى الرحمة إلا أن الأنبياء خصوا بها تعظيما لهم وتمييزا لمرتبتهم الرفيعة على غيرهم على أنها في حقهم ليست بمعنى مطلق الرحمة بل المراد بها ما هو أخص من ذلك كما سمعت فيما تقدم.
نعم ظاهر قول الأعرابي السابق وتقريره ﵊ له الجواز ولو بدون انضمام صلاة أو سلام.
قال ابن حجر الهيتمي: وهو الذي يتجه وتقريره المذكور خاص فيقدم على العموم الذي اقتضته الآية ثم قال:
وينبغي حمل قول من قال لا يجوز ذلك على أن مرادهم نفي الجواز المستوي الطرفين فيصدق بأن ذلك مكروه أو خلاف الأولى، وذكر زين الدين في بحره أنهم اتفقوا على أنه لا يقال ابتداء رحمه الله تعالى، وأنا أقول: الذي ينبغي أن لا يقال ذلك ابتداء.
وقال الطحطاوي في حواشيه على الدر المختار: وينبغي أن لا يجوز غفر الله تعالى له أو سامحه لما فيه من إيهام النقص، وهو الذي أميل إليه وإن كان الدعاء بالمغفرة لا يستلزم وجوب ذنب بل قد يكون بزيادة درجات كما يشير إليه استغفاره ﵊ في اليوم والليلة مائة مرة. وكذا الدعاء بها للميت الصغير في صلاة الجنازة، ومثل ذلك فيما يظهر عفا الله تعالى عنه وإن وقع في القرآن فإن الله تعالى له أن يخاطب عبده بما شاء، وأرى حكم الترحم على الملائكة ﵈ كحكم الترحم عليه ﷺ، ومن اختلف في نبوته كلقمان يقل فيه رضي الله تعالى عنه أو صلّى الله تعالى على الأنبياء وعليه وسلم، هذا وقد بقيت في هذا المقام أبحاث كثيرة يطول الكلام بذكرها جدا فلتطلب من مظانها والله تعالى ولي التوفيق وبيده سبحانه أزمة التحقيق.
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أريد بالإيذاء إما ارتكاب ما لا يرضيانه من الكفر وكبائر المعاصي مجازا لأنه سبب أو لازم له وإن كان ذلك بالنظر إليه تعالى بالنسبة إلى غيره سبحانه فإنه كاف في العلاقة، وقيل في إيذائه تعالى:
هو قول اليهود والنصارى والمشركين يد الله مغلولة والمسيح ابن الله والملائكة بنات الله والأصنام شركاؤه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقيل قول الذين يلحدون في آياته سبحانه، وقيل تصوير التصاوير وروي عن كعب ما يقتضيه، وقيل في إيذاء الرسول ﷺ هو قولهم: شاعر ساحر كاهن مجنون وحاشاه ﵊، وقيل هو كسر رباعيته وشج وجهه الشريف وكان ذلك في غزوة أحد، وقيل طعنهم في نكاح صفية بنت حيي، والحق هو العموم فيهما، وإما إيذاؤه ﵊ خاصة بطريق الحقيقة وذكر الله ﷿ لتعظيمه ﷺ ببيان قربه وكونه حبيبه المختص به حتى كان ما يؤذيه يؤذيه سبحانه كما أن من يطيعه يطيع الله تعالى.