Skip to content

تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٢٣ إلى ٦٣]

تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية

الألوسي، شهاب الدين

Printed page ٩/ ٢٤٤

الإشفاق هنا في الدنيا والآخرة للمؤمنين ترددا وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ المنزلة والمنصوبة في الآفاق والأنفس، والباء للملابسة وهي متعلقة بقوله تعالى: يُؤْمِنُونَ أي يصدقون، والمراد التصديق بمدلولها إذ لا مدح في التصديق بوجودها، والتعبير بالمضارع دون الاسم للإشارة إلى أنه كلما وقفوا على آية آمنوا بها وصدقوا بمدلولها وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ فيخلصون بالعبادة له ﷿ فالمراد نفي الشرك الخفي كالرياء بالعبادة كذا قيل، وقد اختار بعض المحققين التعميم أي لا يشركون به تعالى شركا جليا ولا خفيا ولعله الأولى، ولا يغني عن ذلك وصفهم بالإيمان بآيات الله تعالى.

وجوز أن يراد مما سبق وصفهم بتوحيد الربوبية ومما هنا وصفهم بتوحيد الألوهية، ولم يقتصر على الأول لأن أكثر الكفار متصفون بتوحيد الربوبية وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: ٢٥، الزمر:

٣٨] ولا يأباه التعرض لعنوان الربوبية فإنه في المواضع الثلاثة للإشعار بالعلية وذلك العنوان يصلح لأن يكون علة لتوحيد الألوهية كما لا يخفى.

وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا أي يعطون ما أعطوا من الصدقات وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ خائفة من أن لا يقبل منهم وأن لا يقع على الوجه اللائق فيؤاخذوا به. وقرأت عائشة وابن عباس وقتادة والأعمش والحسن والنخعي

يأتون ما اتوا من الإتيان لا الإيتاء فيهما، وأخرج ابن مردويه وسعيد بن منصور عن عائشة أنه ﷺ قرأ كذلك

وأطلق عليها المفسرون قراءة رسول الله ﵊ يعنون أن المحدثين نقلوها عنه ﷺ ولم يروها القراء من طرقهم والمعنى عليها يفعلون من العبادات ما فعلوه وقلوبهم وجلة، وروي نحو هذا عن رسول الله ﷺ.

فقد أخرج أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه وابن المنذر وابن جرير وجماعة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قلت يا رسول الله قول الله وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أهو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو مع ذلك يخاف الله تعالى؟ قال: لا ولكنه الرجل يصوم ويتصدق ويصلي وهو مع ذلك يخاف الله تعالى أن لا يتقبل منه

، وجملة قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ في القراءتين في موضع الحال من ضمير الجمع في الصلة الأولى، والتعبير بالمضارع فيها للدلالة على الاستمرار وفي الثانية للدلالة على التحقق، وقوله تعالى: أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ بتقدير اللام التعليلية وهي متعلقة بوجلة أي خائفة من عدم القبول وعدم الوقوع على الوجه اللائق لأنهم راجعون إليه تعالى ومبعوثون يوم القيامة وحينئذ تنكشف الحقائق ويحتاج العبد إلى عمل مقبول لائق فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧، ٨] .

وجوز أن يكون بتقدير من الابتدائية التي يتعدى بها الوجل أي وجلة من أن رجوعهم إليه ﷿ على أن مناط الوجل أن لا يقبل ذلك منهم وأن لا يقع على الوجه اللائق فيؤاخذوا به حينئذ لا مجرد رجوعهم إليه ﷿، وقد يؤيد الوجه الأول بقراءة الأعمش أَنَّهُمْ بكسر الهمزة، ولعل التعبير بالجملة الاسمية المخبر فيها بالوصف دون الفعل المضارع للمبالغة في تحقق الرجوع حتى كأنه من الأمور الثابتة المستمرة كذا قيل.

وجوز على بعد أن يكون المراد من الرجوع المذكور الرجوع إليه ﷿ بالعبودية، فوجه التعبير بالجملة الاسمية عليه أظهر من أن يخفى، ووجه تعليل الخوف من عدم القبول وعدم وقوع فعلهم كائنا ما كان على الوجه اللائق بأنهم راجعون إليه تعالى بالعبودية عدم وجوب قبول عملهم عليه تعالى حينئذ لأنه سبحانه مالك وللمالك أن يفعل بملكه ما يشاء وظهور نقصهم كيف كانوا عن كماله ﷻ والناقص مظنة أن لا يأتي بما يليق بالكامل لا سيما إذا كان ذلك الكامل هو الله ﷿ الذي لا يتناهى كماله ولا أراك ترى في هذا الوجه كلفا سوى كلف العبد