Skip to content

تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٥٩ إلى ٨٧]

تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية

الألوسي، شهاب الدين

Printed page ٩/ ٧١

الخفاجي: لعله بمعنى الكرم مجاز على التشبيه بالزرع، والمعنى إذ يحكمان في حق الحرث إِذْ نَفَشَتْ ظرف للحكم، والنفش رعي الماشية في الليل بغير راع كما أن الهمل رعيها في النهار كذلك، وكان أصله الانتشار والتفرق أي إذ تفرقت وانتشرت فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ ليلا بلا راع فرعته وأفسدته وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ أي حاضرين علما، وضمير الجمع قيل: لداود وسليمان ويؤيده قراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «لحكمهما» بضمير التثنية، واستدل بذلك من قال: إن أقل الجمع اثنان، وجوز أن يكون الجمع للتعظيم كما في رَبِّ ارْجِعُونِ [المؤمنون: ٩٩] .

وقيل: هو للحاكمين والمتحاكمين، واعترض بأن إضافة حكم إلى الفاعل على سبيل القيام وإلى المفعول على سبيل الوقوع وهما في المعنى معمولان له فكيف يصح سلكهما في قرن. وأجيب بأن الحكم في معنى القضية لا نظر هاهنا إلى علمه وإنما ينظر إليه إذا كان مصدرا صرفا، وأظهر منه كما في الكشف أن الاختصاص يجمع القيام والوقوع وهو معنى الإضافة ولم يبق النظر إلى العمل بعدها لا لفظا ولا معنى فالمعنى وكنا للحكم الواقع بينهم شاهدين، والجملة اعتراض مقرر للحكم، وقد يقال: إنه مادح له كأنه قيل: وكنا مراقبين لحكمهم لا نقرهم على خلل فيه، وهذا على طريقة قوله تعالى: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [الطور: ٤٨] في إفادة العناية والحفظ، وقوله تعالى: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ عطف على يَحْكُمانِ فإنه في حكم الماضي كما مضى.

وقرأ عكرمة «فأفهمناها» بهمزة التعدية والضمير للحكومة أو الفتيا المفهومة من السياق. روي أنه كانت امرأة عابدة من بني إسرائيل وكانت قد تبتلت وكان لها جاريتان جميلتان فقالت إحداهما للأخرى: قد طال علينا البلاء أما هذه فلا تريد الرجال ولا نزال بشرّ ما كنا لها فلو أنا فضحناها فرجمت فصرنا إلى الرجال فأخذنا ماء البيض فأتياها وهي ساجدة فكشفتا عنها ثوبها ونضحتاه في دبرها وصرختا أنها قد بغت وكان من زنى فيهم حده الرجم فرفعت إلى داود وماء البيض في ثيابها فأراد رجمها فقال سليمان: ائتوا بنار فإنه إن كان ماء الرجل تفرق وإن كان ماء البيض اجتمع فأتى بنار فوضعها عليه فاجتمع فدرأ عنها الرجم فعطف عليه داود ﵇ فأحبه جدا فاتفق أن دخل على داود ﵇ رجلان فقال أحدهما: إن غنم هذا دخلت في حرثي ليلا فأفسدته فقضى له بالغنم فخرجا فمرا على سليمان وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم فقال: كيف قضى بينكما أبي؟ فأخبراه فقال: غير هذا أرفق بالجانبين فسمعه داود ﵇ فدعاه فقال له: بحق النبوة والأبوة ألا أخبرتني بالذي هو أرفق فقال: أرى أن تدفع الغنم إلى صاحب الأرض لينتفع بدرها ونسلها وصوفها والحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه حتى يعود كما كان ثم يترادا فقال: القضاء ما قضيت وأمضى الحكم بذلك، وكان عمره إذ ذاك إحدى عشرة سنة، ومال كثير إلى أن حكمهما ﵉ كان بالاجتهاد وهو جائز على الأنبياء ﵈ كما بين في الأصول وبذلك أقول فإن قول سليمان ﵇ غير هذا أرفق، ثم قوله: أرى أن تدفع إلخ صريح في أنه ليس بطريق الوحي وإلا لبت القول بذلك ولما ناشده داود ﵉ لإظهار ما عنده بل وجب عليه أن يظهر بداء وحرم عليه كتمه، مع أن الظاهر أنه ﵇ لم يكن نبيا في ذلك السن ومن ضرورته أن يكون القضاء السابق أيضا كذلك ضرورة استحالة نقض حكم النص بالاجتهاد، وفي الكشف أن القول بأن كلا الحكمين عن اجتهاد باطل لأن حكم سليمان نقض حكم داود ﵉ والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد البتة فدل على أنهما جميعا حكما بالوحي ويكون ما أوحي به لسليمان ﵇ ناسخا لحكم داود ﵇ أو كان حكم سليمان وحده بالوحي، وقوله تعالى: فَفَهَّمْناها لا يدل على أن ذلك اجتهاد.