تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية
الخوف من كمال المعرفة لأنه لم يأمن مكر الله تعالى ولو سبق منه سبحانه الإيناس،
وفي بعض الآثار «يا موسى لا تأمن مكري حتى تجوز الصراط» .
وقيل: كان خوفه من فوات المنافع المعدودة ولذا علل النهي بقوله تعالى: سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى وهذا جهل بمقام موسى ﵇. وكذا ما قيل: إنه لما رأى الأمر الهائل فر حيث لم يبلغ مقام فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذاريات: ٥٠] ولو بلغه لم يفر. وما قيل: أيضا لعله لما حصل له مقام المكالمة بقي في قلبه عجب فأراه الله تعالى أنه بعد في النقص الإمكاني ولم يفارق عالم البشرية وما النصر والتثبيت إلا من عند الله تعالى وحده.
وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أراد سبحانه أن يريه آية نفسية بعد أن أراه ﵇ آية آفاقية كما قال سبحانه: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ وهذا من نهاية عنايته ﷻ: وقد ذكروا في هذه القصة نكات وإشارات. منها أنه سبحانه لما أشار إلى العصا واليمين بقوله تعالى وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ حصل في كل منهما برهان باهر ومعجز قاهر فصار أحدهما وهو الجماد حيوانا والاخر وهو الكثيف نورانيا لطيفا. ثم إنه تعالى ينظر في كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة إلى قلب العبد فأي عجب أن ينقلب قلبه الجامد المظلم حيا مستنيرا، ومنها أن العصا قد استعدت بيمن موسى ﵇ للحياة وصارت حية فكيف لا يستعد قلب المؤمن الذي هو بين إصبعين من أصابع الرحمن للحياة ويصير حيا. ومنها إن العصا باشارة واحدة صارت بحيث ابتلعت سحر السحرة فقلب المؤمن أولى أن يصير بمدد نظر الرب في كل يوم مرات بحيث يبتلع سحر النفس الأمارة بالسوء، ومنها أن قوله تعالى أولا فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إشارة إلى التخلية وتطهير لوح الضمير من الأغيار وما بعده إشارات إلى التحلية وتحصيل ما ينبغي تحصيله. وأشار سبحانه إلى علم المبدأ بقوله تعالى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ وإلى علم الوسط بقوله ﷿ فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي وفيه إشارة إلى الأعمال الجسمانية والروحانية وإلى علم المعاد بقوله سبحانه إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ ومنها أنه تعالى افتتح الخطاب بقوله عز قائلا وَأَنَا اخْتَرْتُكَ وهو غاية اللطف وختم الكلام بقوله جل وعلا فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها- إلى- فَتَرْدى وهو قهر تنبيها على أن رحمته سبقت غضبه وأن العبد لا بد أن يكون سلوكه على قدمي الرجاء والخوف، ومنها أن موسى ﵇ كان في رجله شيء وهو النعل وفي يده شيء وهو العصا والرجل آلة الهرب واليد آلة الطلب فأمر بترك ما فيهما تنبيها على أن السالك ما دام في مقام الطلب والهرب كان مشتغلا بنفسه وطالبا لحظه فلا يحصل له كمال الاستغراق في بحر العرفان وفيه أن موسى ﵇ مع جلالة منصبه وعلو شأنه لم يمكن له الوصول إلى حضرة الجلال حتى خلع النعل وألقى العصا فأنت مع ألف وقر من المعاصي كيف يمكنك الوصول إلى جنابه وحضرته ﷻ. واستشكلت هذه الآيات من حيث إنه تدل على أن الله تعالى خاطب موسى ﵇ بلا واسطة وقد خاطب نبينا ﷺ بواسطة جبريل ﵇ فيلزم مزية الكليم على الحبيب عليهما الصلاة والسّلام. والجواب أنه تعالى شأنه قد خاطب نبينا ﷺ أيضا بلا واسطة ليلة المعراج غاية ما في البال أنه تعالى خاطب موسى ﵇ في مبدأ رسالته بلا واسطة وخاطب حبيبه ﵊ في مبدأ رسالته بواسطة ولا يثبت بمجرد ذلك المزية على أن خطابه لحبيبه الأكرم ﷺ بلا واسطة كان مع كشف الحجاب ورؤيته ﵊ إياه على وجه لم يحصل لموسى ﵇ وبذلك يجبر ما يتوهم في تأخير الخطاب بلا واسطة عن مبدأ الرسالة. وانظر إلى الفرق بين قوله تعالى عن نبينا ﷺ ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى وقوله عن موسى ﵇ قالَ هِيَ عَصايَ إلخ ترى الفرق واضحا بين الحبيب والكليم مع أن لكل رتبة التكريم ﷺ.
وذكر بعضهم أن في الآيات ما يشعر بالفرق بينهما أيضا عليهما الصلاة والسّلام من وجه آخر وذلك أن موسى