Skip to content

تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية [سورة التوبة (٩) : الآيات ١١١ إلى ١٢٩]

تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية

الألوسي، شهاب الدين

Printed page ٦/ ٤١

لم ينزل فيه وحي من الله ﷿ وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزاة حين طابت الثمار والظل وأنا إليها أصغرهم فتجهز إليها رسول الله ﷺ والمؤمنون معه وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولا أقضي شيئا فأقول لنفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله ﷺ غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا وقلت أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه فغدوت يوم ما فصلوا لا تجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئا ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى انتهوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم وليت أني فعلت ثم لم يقدر ذلك لي وطفقت إذا خرجت في الناس بعد رسول الله ﷺ يحزنني أن لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذره الله تعالى ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك قال رجل من بني سلمة: حبسه يا رسول الله برداه والنظر في عطفيه فقال له معاذ بن جبل: بئسما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا فسكت رسول الله ﷺ فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلا من تبوك حضرني شيء فطفقت أتفكر الكذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا أستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل: إن رسول الله ﷺ قد أظل قادما زاح عني الباطل وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا فأجمعت صدقة فأصبح رسول الله ﷺ قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاء المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل رسول الله ﷺ علانيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى حتى جئت فلما سلمت عليه ﵊ تبسم تبسم المغضب ثم قال لي: تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: ما خلفك ألم تكن قد اشتريت ظهرك؟

فقلت: يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر لقد أعطيت جدلا ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى عني به ليوشكن الله تعالى بسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه أني لأرجو فيه عقبى من الله تعالى، والله ما كان لي عذر والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك فقال رسول الله ﷺ: أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله تعالى فيك فقمت وبادرني رجال من بني سلمة واتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به المتخلفون ولقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله ﷺ قال: فو الله ما زالوا يرايبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع وهلال بن أمية فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي قال: ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي كنت أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد وآتي رسول الله ﷺ وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم وأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي فإذا التفت نحوه أعرض حتى إذا طال عليّ ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة- وهو ابن عمي وأحب الناس إلي- فسلمت عليه فو الله ما رد السلام علي فقلت له: أبا قتادة أنشدك الله تعالى هل تعلم أني أحب الله تعالى ورسوله ﷺ؟

فسكت فعدت فنشدته فسكت فعدت فنشدته فقال: الله تعالى ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاء فدفع إلي كتابا من ملك غسان وكنت كاتبا فإذا فيه: أما بعد