تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية
حَلِيمٌ أي صبور على الأذى صفوح عن الجناية،
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان من حلمه ﵇ أنه إذا آذاه الرجل من قومه قال له: هداك الله تعالى،
ولعل تفسيره بالسيد على ما روي عن الحبر مجاز، والجملة استئناف لبيان ما جملة ﵊ على الموعدة بالاستغفار لأبيه مع شكاسته عليه وسوء خلقه معه كما يؤذن بذلك قوله ﵊: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [مريم: ٦٤] ، وقيل: استئناف لبيان ما حمله على الاستغفار. وأورد عليه أنه يشعر بظاهره أن استغفار إبراهيم ﵇ لأبيه كان عن وفور الرحمة وزيادة الحلم وهو يخالف صدر الآية حيث دل على أنه كان عن موعدة ليس إلا، ولعل المراد أن سبب الاستغفار ليس إلا الموعدة الناشئة عما ذكر فلا إشكال. وفيها تأكيد لوجوب الاجتناب بعد التبين كأنه قيل: إنه ﵊ تبرأ منه بعد التبين وهو في كمال رقة القلب والحلم فلا بد أن يكون غيره أكثر منه اجتنابا وتبرؤا، وجوز بعضهم أن يكون فاعل وعد ضمير الأب وإِيَّاهُ ضمير إبراهيم ﵊ أي إلا عن موعدة وعدها إبراهيم أبوه وهي الوعد بالإيمان.
قال شيخ مشايخنا صبغة الله أفندي الحيدري: لعل هذا هو الأظهر في التفسير فإن ظاهر هذا السياق أن هذه الآية دفع لما يرد على الآية الأولى من النقض باستغفار إبراهيم لأبيه الكافر ويكفي فيه مجرد كونه في حياة أبيه حيث يحمل ذلك على طلب المغفرة له بالتوفيق للإيمان كما قرر سابقا من غير حاجة إلى حديث الموعدة فيصير إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ كالحشو على التوجيه الأول للضميرين بخلاف هذا التوجيه فإن محصله عليه هو أنه لا يرد استغفار إبراهيم لأبيه نقضا على ما ذكرنا إذ هو إنما صدر عن ظن منه ﵊ بإيمانه حيث سبق وعده به معه ﵊ فظن أنه وفى بالوعد وجرى على مقتضى العهد فاستغفر له فلما تبين له أنه لن يفي ولن يؤمن قط أو لم يف ولم يؤمن تبرأ منه.
ويمكن أن يوجه ذكر الموعدة على التوجيه الأول أيضا بأن يقال: أراد ﷾ تضمين الجواب بكون ذلك الاستغفار في حال حياة المستغفر له وحمله على الطلب المذكور فائدة أخرى هي أنه ﷺ لغاية تصلبه في الدين وفرط تعصبه على اليقين ما كان يستغفر له وإن كان جائزا لكن تأوه وتحلم فاستغفر له وفاء بالموعدة التي وعدها إياه فتفطن انتهى، وأنت تعلم أنه على التوجيه الثاني لا يستقيم ما قالوه في استئناف الجملة من أنه لبيان الحامل وكان عليه أن يذكر وجه ذلك عليه، وأيضا قوله رحمه الله تعالى في بيان الفائدة: لكنه تأوه وتحلم حيث نسب فيه الحلم إلى إبراهيم ﵊ بصيغة التفعل مع وصفه تعالى له ﵊ بالحليم عثرة لا يقال لصاحبها لعا، وحمل ذلك على المشاكلة مع إرادة فعل مما لا يوافق غرضه وسوق كلامه، فالحق الذي ينبغي أن يعول عليه التفسير الأول للآية وهو الذي يقتضيه ما روي عن الحسن، وغيره من سلف الأمة رضي الله تعالى عنهم. وذكر حديث الموعدة لبيان الواقع في نفس الأمر مع ما فيه من الإشارة إلى تأكيد الاجتناب وتقوية الفرق كأنه قيل: فرق بين بين الاستغفار الذي نهيتم عنه واستغفار إبراهيم ﵇ فإن استغفاره كان قبل التبين وكان عن موعدة دعاه إليها فرط رأفته وحلمه وما نهيت عنه ليس كذلك. بقي أن هذه الآية يخالفها ظاهر ما
رواه البخاري في الصحيح عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم ﵇ أباه يوم القيامة وعلى وجهه قترة وغبرة فيقول إبراهيم ﵊: ألم أقل لك لا تعصني فيقول أبوه: اليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم ﵊: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون فأي خزي أخزى من أبي الأبعد فيقول الله تعالى إني حرمت الجنة على الكافرين ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار. ورواه غيره بزيادة فيتبرأ منه
فإن