تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية
وأن معناه أخطأت وبئسما فعلت. وفي الانتصاف ليس له أن يفسر هذه الآية بهذا التفسير وهو بين أحد الأمرين إما أن لا يكون هو المراد أو يكون ولكن قد أجل الله تعالى نبيه الكريم عن مخاطبته بذلك ولطف به في الكناية عنه أفلا يتأدب بآداب الله خصوصا في حق المصطفى ﷺ، فعلى التقديرين هو ذاهل عما يجب من حقه ﵊.
ويا سبحان الله من أين أخذ عامله الله تعالى بعدله ما عبر عنه ببئسما، والعفو لو سلم مستلزم للخطأ فهو غير مستلزم لكونه من القبح واستتباع اللائمة بحيث يصحح هذه المرتبة من المشافهة بالسوء ويسوغ إنشاء الاستقباح بكلمة بئسما المنبئة عن بلوغ القبح إلى رتبة يتعجب منها، واعتذر عنه صاحب الكشف حيث قال: أراد أن الأصل ذلك وأبدل بالعفو تعظيما لشأنه ﷺ وتنبيها على لطف مكانه ولذلك قدم العفو على ذكر ما يوجب الجناية، وليس تفسيره هذا بناء على أن العدول إلى عفا الله لا للتعظيم حتى يخطأ.
وأما المستعمل لمجرد التعظيم فهو إذا كان دعاء لا خبرا، على أن الدعاء قد يستعمل للتعريض بالاستقصاء
كقوله ﷺ: «رحم الله تعالى أخي لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد»
وتحقيقه أنه لا يخلو عن حقارة بشأن المخاطب أو الغائب حسب اختلاف الصيغة، وأما التعظيم أو التعريض فقد وقد انتهى، ولا يخفى ما فيه فهو اعتذار غير مقبول عند ذوي العقول. وكم لهذه السقطة في الكشاف نظائر، ولذلك امتنع من إقرائه بعض الأكابر كالإمام السبكي عليه الرحمة، وليت العلامة البيضاوي لم يتابعه في شيء من ذلك، وهذا، واستدل بالآية من زعم صدور الذنب منه ﵊، وذلك من وجهين:
الأول: أن العفو يستدعي سابقة الذنب، الثاني: أن الاستفهام الإنكاري بقوله سبحانه: لِمَ أَذِنْتَ يدل على أن ذلك الإذن كان معصية، والمحققون على أنها خارجة مخرج العتاب كما علمت على ترك الأولى والأكمل قالوا:
لا يخفى أنه لم يكن كما في خروجهم مصلحة للدين أو منفعة للمسلمين بل كان فيه فساد وخبال حسبما نطق به قوله تعالى: لَوْ خَرَجُوا إلخ، وقد كرهه ﷾ كما يفصح عنه قوله جل وعلا: وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ الآية، نعم كان الأولى تأخير الإذن حتى يظهر كذبهم ويفتضحوا على رؤوس الأشهاد، ولا يتمكنوا من التمتع بالعيش على الأمن والدعة ولا يتسنى لهم الابتهاج فيما بينهم بأنهم غروه ﷺ وأرضوه بالأكاذيب على أنهم لم ينهأ لهم عيش ولا قرت لهم عين إذ لم يكونوا على أمن واطمئنان بل كانوا على خوف من ظهور أمرهم وقد كان.
ومن الناس من ضعف الاستدلال بالآية على ما ذكر بأنا لو نسلم أن عَفَا اللَّهُ يستدعي سابقة الذنب والسند ما أشرنا إليه فيما مر سلمنا لكن لا نسلم أن قوله سبحانه: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ مقول على سبيل الإنكار عليه ﵊ لأنه لا يخلو إما أن يكون صدر منه ﷺ ذنب في هذه الواقعة أو لم يصدر وعلى التقديرين يمتنع أن يكون ما ذكر إنكارا، أما على الأول فلأنه إذا لم يصدر عنه ذنب فكيف يتأتى الإنكار عليه، وأما على الثاني فلأن صدر الآية يدل على حصول العفو وبعد حصوله يستحيل توجه الإنكار فافهم.
واستدل بها جمع على أن له ﷺ اجتهادا وأنه قد يناله منه أجر واحد والوجه فيه ظاهر، وما فعله ﷺ في هذه الواقعة أحد أمرين فعلهما ولم يؤمر يفعلهما كما أخرج ابن جرير وغيره عن عمرو بن ميمون، ثانيهما أخذه ﷺ الفداء من الأسارى وقد تقدم. وادعى بعضهم الحصر في هذين الأمرين، واعترض بأنه غير صحيح فإن لهما ثالثا وهو المذكور في سورة التحريم وغير ذلك كالمذكور في سورة عبس، وأجيب بأنه يمكن تقييد الأمرين بما يتعلق بأمر الجهاد والله تعالى ولي الرشاد.