Skip to content

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين المطلب الثالث دفع دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث «إذا سمعتم صياح الديكة .. وإذا سمعتم نهيق الحمار»

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Printed page ٢/ ٩٦٦

الوجه الثَّالث: أنَّ الحديث أخبرَ عن أمرٍ غَيبيٍّ، لا يَقع للعقل إدراك كُنْهِهِ؛ لعجزِه من جِهة، ولقصورِ الواسطة النَّاقلة للعقلِ -وهي: الحواسُّ- عن تحصُّل هذا الإدراك من جهة أخرى؛ فإذا تحقَّق ذلك، فلا طريق إلى معرفة هذا الغيب إلَّا عن طريق الوحي، وحينئذٍ يجب الإيمان بما أخبر به الصَّادق ﷺ؛ وذلك مِن مقتضيات الإيمان بالرَّسول ﷺ.

وبناءً على ما قُرِّر، يَتبيَّن لك أنَّ دعوى المعترض أن لو كانت الدِّيَكة تصيح عند رؤيتها للملائكة، مع كون كلِّ إنسان محاطًا بملائكة يحفظونه، ومَلكين يكتبان أعماله؛ للَزِم مِن ذلك أن تصيح كلَّ وقت: هي دعوى باطلة، ذلك:

أنَّ حصول صياح الدِّيَكة عند رؤية مَلَك، وكذا نهيق الحمار عند رؤية شيطان؛ لا يلزم منهما أن يكونا عند رؤيةِ كلِّ مَلَك أو كلِّ شيطان؛ لأنَّ الَّذي أشهدَ كُلًّا منهما لرؤيةِ ما لا يراه البشر: قادرٌ أن يحجُب عن الدِّيَكة رؤيةَ الملائكةِ الحَفَظة والمُوكَّلين بكتابة الأعمال؛ ويحجُبَ عن الحمارِ: قرينَ الإنسان، وهذا القرين نفسُه الَّذي يُدْبِر لِسماعِه الأَذَان، فهما نوعٌ واحد (١).

وكما عَلِمنا بدلالة الواقع عدمَ شهودِ الدِّيَكة رؤيةَ كلِّ أنواع الملائكة، وعدمَ شهود الحمير كلَّ أنواع الشَّياطين، فإنَّ في بعض الأحاديث ما يُعلِم بأنَّ هذا الشُّهود لا يقع لها في كلِّ حين، بل هي محصورة في اللَّيل.

جاء القيدُ بهذا في رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ رواها الثِّقات (٢) بلفظ: «إذا سمعتُم صياحَ الدِّيكة باللَّيلِ؛ فاسألوا الله من فضلهِ، فإنَّها رأت ملَكًا، وإذا سمعتُم نهيقَ الحمارِ باللَّيلِ؛ فتعوَّذُوا باللهِ من الشَّيطانِ؛ فإنهُ رأى شيطانًا» (٣).