Skip to content

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين المطلب الثاني الاعتراض على الاحتجاج بالتلقي من جهة وجه الاستدلال والجواب عن ذلك

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Printed page ١/ ٥٤٥

الوجه الثَّالث: أنَّا قدَّمنا آنفًا في الردِّ على الصَّنعانيِّ أنَّ ما يجبُ على الأمَّةِ قَبوله شرعًا لا يكون باطلًا في نفسِ الأمر، بل كلُّ دليلٍ يجب اتِّباعُه شرعًا، لا يكون إلَّا حقًّا، ويكون مَدلوله ثابتًا في نفسِ الأمر، فإنَّ الله تعالى لم يأمرنا باتِّباع ما ليس بحقٍّ (١)؛ هذا ابتداءً.

ثمَّ كيف لِمَن قال بمثل قولِ النَّووي أن يوجب على المُسلمِ اعتقادَ مضمونَ حديثٍ عَقديٍّ ما في «الصَّحيحين»، ثمَّ يَأمُره في الوقتِ نفسِه بأن يعتقد احتمال غلطِ الرَّواية فيه؟! كيف يقبل مسلمٌ أن يُقال له: إنَّ الإيمانَ والعملَ بهذه الأحاديث الَّتي أخرجها الشَّيخان واجبٌ شرعًا للإجماعِ، ولكنَّ العلمَ بها ظنيٌّ محتمل للكذب لا تثبت به أصول العقائد؟!

أليسَ هذا عينُ التَّناقضِ الَّذي استهجنه أحمد بن حنبل؟! (٢)

بل استهجَنه (رشيد رِضا) نفسُه! وهو يقرِّر «أنَّ أكثرَ الأحاديث الآحاديَّة المتَّفَق على صِحَّتها لذاتِها -كأكثرِ الأحاديث المُسندةِ في صَحِيحي البخاريِّ ومسلم- جديرةٌ بأن يجُزَم بها جزمًا لا تَردُّد فيه ولا اضطراب، .. ولا شكَّ في أنَّ أهل العلمِ بهذا الشَّأن، قلَّما يَشكُّون في صحَّةِ حديثٍ منها، فكيف يُمكن لمسلمٍ يجزمُ بأنَّ الرَّسول ﷺ أخبرَ بكذا، ولا يؤمن بصدقِه فيه؟! أليسَ هذا من قبيل الجمع بين الكفر والإيمان؟!» (٣).