Skip to content

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين المطلب الرابع دفع دعوى حذف البخاري لما فيه مثلبة للفاروق ﵁ بالاختصار

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Printed page ١/ ١٨٥

شيخِه وسمِعَها منه غيرُه، كما قد نَبَّه على ذلك ابن حجرٍ عند شرحِه لهذه الحكايةِ (١).

وأمَّا الجِهة الثَّانية من جِهتي تَزْيِيف دعوى المُعترضِ حذفَ البخاريِّ ما يُنبي عن غفلةِ الفاروقِ ﵁ وجهلِه بالحكم في هذه القصَّة: فإنَّ عمر إنَّما تَأوَّل آيةَ التَّيمُّم لا أنَّه كان يجهلُها! بحيث فهم أنَّ الجُنُبَ لا يشملُه قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ [النساء: ٤٣]، ظنًّا منه أنَّ المُلامَسةَ في ظاهرِ الآيةِ ما دون الجِماع (٢)؛ وحينَ لم تبلُغه الأحاديثُ الخاصَّةُ على خلاف هذا الأصل عنده، رأى البقاء على ظاهرِ قولِه تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].

وأمَّا ما حَدَّثه به عمَّار ﵁: فإنَّما استذكره عمَّارٌ ما جَرى مِنهما في السَّفَر لا سؤالَه النَّبي ﷺ؛ لأنَّ الظَّاهرَ غياب عمرَ ﵁ عن ذلك، ولو كان شهِد هو هذا الاستفتاءَ مِن عمَّار للنَّبي ﷺ، لمَا أبقى مَذْهبَه على أنَّ الجُنبَ لا يُجزيه إلَّا الغسلُ بالماء؛ لكنْ حين «أخبرَه عمَّارٌ عن النَّبي ﷺ بأنَّ التَّيمُّم يَكفيه: سَكَتَ عنه، ولن يَنْهَه» (٣)، بل قال: «اتَّقِ الله تعالى يا عَمَّار، «ومَعناه: اتَّقِ الله تعالى فيما تَرويه وتَثبَّت، فلعلَّك نَسيتَ، أو اشتبَه عليك الأمرُ» (٤).

فبَانَ أنْ ليس فيما اجتهَدَ فيه عمرُ ﵁ حَطٌّ مِن قدرِه حتَّى يحتاج إلى ستر البخاريِّ عليه، بل هذا منه مثالٌ مِن أمثلةٍ كثيرةٍ، «تدلُّكَ على أنَّ أخبارَ الآحادِ العُدولِ مِن علمِ الخاصَّة، قد يخفى على الجليلِ مِن العلماءِ منها الشَّيء» (٥).