المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين
ثمَّ قال بعد أن ذَكَرَ الجميعَ: « .. الجميعُ بضعةٌ وتسعون نفسًا، أقربُها غرائب ضعيفةٌ، وأردؤها طرقٌ مختلقَة مُفتَعَلة! وغالبُها طُرقٌ واهيةٌ» (١).
فلعلَّ هذا منشأ البَليَّةِ في الحديثِ، أي: من انقطاعِه، فـ «لا يُدرَى الرَّواي له عن أنس ﵁، ثمَّ سرَقَه بعض الوَضَّاعين، مِن الشِّيعة والضُّعفاء والمَجهولين منهم، أو المُتعاطِفين معهم، فرَكَّبوا عليه أسانيدَ كثيرةً» (٢)، وهذا ما كان انتهى إليه ابنِ القيسرانيِّ في دراسته للحديث، حيث قال: «حديثُ الطَّائر مَوضوعٌ، إنَّما يَجيء مِن سُقَّاطِ أهلِ الكوفة، عن المَشاهيرِ والمَجاهيلِ، عن أنسٍ وغيره» (٣).
فكيف للحاكمِ أن يقول بعد كلِّ هذا أنَّ الحديث على شرطِ الشَّيخين؟!
ثمَّ لم يكتفِ هو بركونه إلى كثرة طُرقهِ الواهيةِ وتصحيحِه لأحدِها، بل قال عَقِب ذلك: « .. ثمَّ صَحَّت الرِّواية عن عليٍّ وأبي سعيد الخدري وسفينة».
ليَنتفِضَ عليه الذَّهبيُّ قائلًا: «لا والله ما صَحَّ شيءٌ مِن ذلك!» (٤).
وما حنَثَ الذَّهبي، فإنَّ الطُّرق إلى هؤلاء الثَّلاثة ساقطة الأسانيد، قد بَيَّن ابن كثيرٍ عِلَلَها، كما بيَّن عِلَل كثيرٍ مِن الطُّرق المُشار إليها آنفًا (٥).
العجيب بعدُ مِن الحاكِم: أنَّه مِن زمرة مَن ضَعَّف حديثَ الطَّير بالنَّظر إلى نكارة متنِه! ولم يَلتفِت إلى طُرقِه، وذلك فيما ساقه الذَّهبي في ترجمتِه بإسنادٍ صحيحٍ عنه: «أنَّهم كانوا في مَجلسٍ، فسُئِل أبو عبد الله الحاكم عن حديثِ الطَّير؟ فقال: لا يَصِحُّ، ولو صَحَّ، لمَا كان أحدٌ أفضلَ مِن عليٍّ بعد النَّبي ﷺ».
قال الذَّهبي عقِبَه: «فهذه حِكايةٌ قَويَّةٌ؛ فما بالُه أخرَجَ حديثَ الطَّير في «المُستدرَك»؟! فكأنَّه اختَلَف اجتهادُه» (٦).