Skip to content

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين المطلب الثالث دفع دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث: «لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم»

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Printed page ٣/ ١٥٦٦

وفي تقرير هذا المعنى، يقول ابن الملِك الحَنفيُّ (ت ٨٥٤ هـ): «إنَّه تعالى كان قد نهاهم في التِّيه -وقد أنزل عليهم المَنَّ والسَّلوى- أن يأخذوا فوقَ كفايتَهم، فخالفوا حِرصًا منها، فتَغيَّرت رائحة اللَّحم بسببِه، فإنَّهم ادَّخروا السَّلوى حتَّى أنتنَ لحمُه؛ فخَنْزُ اللَّحم شيءٌ عوقبت به بنو إسرائيل لسوءِ صَنيعهم فيه، وهو الادِّخار النَّاشئ مِن عدم الثِّقة بالله» (١).

فالمُستفاد من الحديثِ في ما جَرى لبني إسرائيل بالعقوبة على هذا المعنى: أنَّ الفسادَ والإنتانَ أسرعَا إلى اللُّحومِ إسراعًا لم يكن مَألوفًا عندهم قبلُ -كما سبق تقريره-، مع ما ينبعث عن ذلك مِن روائح نتِنَةٍ وتَدويدٍ لم يَعهدوه.

فصَحَّ بهذا الاعتبار المَشروح أن يُقال عقلًا: «لولا بنو إسرائيل لو يخنز اللَّحم» (٢).

فهذا المعنى للحديثِ قَمِنٌ أن يكون مُراد النَّبي ﷺ -والله أعلم-، فالله تعالى قادر على خلق أسباب ذلك في زمنٍ ما، فيُسرِّع بها عمليَّة التَّحلُّل الطَّبيعيَّة للُّحومِ، على وتيرةٍ لم تكن عليها قبل ذلك، وكذا على خَلْقِ جراثيم جديدةٍ تزيد مِن شدَّة الفسادِ ونشوءِ تعفُّناتٍ وخبثِ غازاتٍ في عمليَّة التَّحلُّل لم توجد قبل ذلك؛ لا مانع مِن هذا كلِّه مِن جِهة العقل، ولا العلمُ الحديث يُحيله، ولا الحِسُّ قادرٌ على نَفيِه، كونه أمرًا قد مَضى ليس في حيِّز المُشاهدة.

مِثلُ هذا -من جِهة الوقوعِ- كأيِّ مرضٍ جديدٍ نَشأ في مكانٍ مُعيَّن في زمنٍ غابر قديمٍ، ثمَّ ما لبِث أن انتشَرَ في النَّاسِ على اختلافِ أمكنتهم وأزمانهم، حتَّى اعتادَ النَّاس عليه، وتناسوا بعد قرونٍ مَنشأه الأوَّل وسَبَبه.