Skip to content

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين المطلب الثالث دفع دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث «نحن أحق بالشك من إبراهيم»

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Printed page ٣/ ١٥١٠

فإن قيل: إذا كان النَّبي ﷺ ذَكر هذا الكلام على جِهة المدحِ ليوسف، فما باله هو ﷺ يذهب بنفسِه عن حالةٍ قد مَدَح بها غيره؟ (١)

قُلنا: هذه شُبهة قد كفانا ابن عطيَّةٍ كشفها بأحسن ما يكون الكشفُ والبيان، فقال: «الوجهُ في ذلك: أنَّ النَّبي ﷺ إنَّما أخَذ لنفسِه وجهًا آخرَ مِن الرَّأي له جهةٌ أيضًا مِن الجودة، أي: لو كنتُ أنا لبادرتُ بالخروجِ، ثمَّ حاولتُ بيانَ عذري بعد ذلك، وذلك أنَّ هذه القَصص والنَّوازل إنَّما هي مُعرضة ليقتدي النَّاس بها يوم القيامة، فأراد رسول الله ﷺ حملَ النَّاس على الأحزمِ مِن الأمور.

وذلك أنَّ المتعمِّق في مثل هذه النَّازلة، التَّاركُ فرصةَ الخروجِ من مثل ذلك السِّجن، ربمَّا تنتج له مِن ذلك البقاءُ في سجِنه، وانصرفت نفسُ مخرجِه عنه، وإن كان يوسف ﵇ أَمِن مِن ذلك بعلمِه مِن الله، فغيره مِن النَّاس لا يأمن ذلك، فالحالة الَّتي ذَهب النَّبي ﷺ بنفسِه إليها حالةُ حزمٍ ومدحٍ، وما فَعَله يوسف ﵇ صبرٌ عظيمٌ وجَلَد» (٢).

فإن قيل أيضًا: إذا تقرَّر أنَّ الحديث سيقَ بيانًا لفضلِ هؤلاء الأنبياءِ، والدَّفع عنهم ما قد يُتوَّهم فيهم مِن الباطِل، فما وجهُ تناسب هذا المدحِ منه ﷺ ليوسف مع هذا المقصد الكليِّ للحديث؟

والجواب: أنَّ النَّبي ﷺ مدَحَه على الأناةِ والتَّصبُّر على وجهِ الخصوص، «وكان في طيِّ هذه المدحةِ بالأناةِ والتثبُّت: تنزيهُه وتبرئتُه ممَّا لعلَّه يسبِق إلى الوهم مِن أنَّه هَمَّ بزُلِيخا -امرأةِ العزيزِ- هَمًّا يُؤاخَذ به، لأنَّه إذا صَبر وتثبَّت فيما له أن لا يصبِرَ فيه -وهو الخروج مِن السِّجن- مع أنَّ الدَّواعي متوافرةٌ على الخروج منه، فلَأن يصبِرَ فيما عليه أن يصبِر فيه مِن الهمِّ أَوْلى وأجدر! والله أعلم» (٣).