Skip to content

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين المطلب الرابع تأثير الفكر الاعتزالي في الفرق الكلامية

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Printed page ١/ ١١٤

وقبله شيخُه أبو المَعالي الجُوَينيُّ (ت ٤٧٨ هـ) (١) وهو عَمودُ الأشعريَّةِ الكُلَّابيَّة، كان «مع فرطِ ذكائِه، وإمامتِه في الفروعِ وأصولِ المذهب، وقوِّةِ مُناظرتِه، لا يدري الحديثَ كما يَليقُ به، لا مَتنًا ولا إسنادًا» (٢)، وقد ورث مقالةَ عبد الجبَّار في كلامِه على بعضِ الصِّفات الإلهيَّة، فيدفعُ بها في نحرِ الصِّحاحِ من الأخبار، ويتكَلَّف في إيجادِ مَنفذٍ في طرائِق نَقْلِها ليَصِل مِن خلالِها إلى تضعيفِها، فإذا أصابه الذُّهول مِن متانةِ دعائم تلك النُّقول، تكلَّف بكلامٍ في علم الحديث لو أحجَم عنه بادئ الأمر كانَ خيرًا له.

من ذلك -مثلًا- قولُه في حديث النُّزول المَشهور (٣): «إنَّ الحديثَ وإن رواه الأثبات، ونقلَه الثِّقات، فلم يُجمع أهل الصَّنعة على صِحَّتِه، على معنى أنَّه منقول عن الرَّسول ﷺ قطعًا، وإنَّما انكفَّ أهل التَّعديل عن التَّعرُّض للحديث الَّذي نَقلوه، مِن حيث لم يظهر ما يَتضمَّن مَطعنًا وقدحًا في النَّقَلة، وهم مع ذلك يُجوِّزون على رُواة الخبر أن يزلُّوا ويغلطوا .. » (٤).

وهكذا ترى الجُوينيَّ يَستميتُ في منعِ كونِ الرُّسولِ ﷺ أخبرَ بمثلِ هذا الحديث وهو مَقطوعِ بصحَّتِه عند أهل النَّقد، ولو بأضعفِ الأدلَّة، بل أجاز الإضرابَ عن الصِّحاحِ مِن الأحاديثِ في باب العقائد، لكونِها مِن قَبيل الآحاد، كما تفعلُ المُعتزلة تمامًا، ترى شيئًا من ذلك في مَعرض ردِّه على مَن سَمَّاهم