Skip to content

مختصر تفسير ابن كثير ١٠٧ - سورة الماعون.

مختصر تفسير ابن كثير

محمد علي الصابوني

Printed page ٢/ ٦٨١

اليتيم﴾ أي هو الذي يقهر اليتيم وَلَا يُطْعِمُهُ وَلَا يُحْسِنُ إِلَيْهِ ﴿وَلَا يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين﴾ كقوله ﴿وَلَا تَحَآضُّونَ على طَعَامِ المسكين﴾، ثم قال تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ قال ابن عباس: يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ فِي الْعَلَانِيَةِ، وَلَا يصلون في السر، ولهذا قال: ﴿لِّلْمُصَلِّينَ﴾ الذين هُمْ من أهل الصلاة ثُمَّ هُمْ عَنْهَا سَاهُونَ، إِمَّا عَنْ فِعْلِهَا بالكلية، أو يخرجها عن وقتها، وقال عطاء بن دينار: الحمد لِلَّهِ الَّذِي قَالَ: ﴿عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ وَلَمْ يقل ﴿في صلاتهم ساهون﴾ فيؤخرونها إلى آخر الوقت، أو لا يؤدونها بأركانها وشروطها عَنِ الْخُشُوعِ فِيهَا وَالتَّدَبُّرِ لِمَعَانِيهَا، فَاللَّفْظُ يَشْمَلُ ذلك كله، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ الله فيها إلا قليلاً» (أخرجه الشيخان). فَهَذَا آخَّرَ صَلَاةَ الْعَصْرِ الَّتِي هِيَ الْوُسْطَى - كَمَا ثَبَتَ بِهِ النَّصُّ - إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا، وَهُوَ وَقْتُ كَرَاهَةٍ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا فَنَقَرَهَا نَقْرَ الْغُرَابِ، لَمْ يَطْمَئِنَّ وَلَا خَشَعَ فِيهَا أَيْضًا، وَلِهَذَا قَالَ: «لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا» وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى الْقِيَامِ إِلَيْهَا مُرَاءَاةَ النَّاسِ، لَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، فهو كما إذا لم يصل بالكلية، قال الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ الله إِلَاّ قَلِيلاً﴾، وقال تعالى ههنا: ﴿الذين هم يراؤون﴾، وروى الطبراني عن ابن عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إن في

جهنم لوادياً تستعذ جَهَنَّمُ مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي فِي كُلِّ يَوْمٍ أَرْبَعَمِائَةِ مَرَّةٍ، أُعِدَّ ذَلِكَ الْوَادِيَ لِلْمُرَائِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ: لِحَامِلِ كِتَابِ اللَّهِ، وَلِلْمُصَّدِّقِ فِي غَيْرِ ذَاتِ اللَّهِ، وَلِلْحَاجِّ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، وللخارج في سبيل الله" (أخرجه الطبراني). وروى الإمام أحمد عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَذَكَّرُوا الرِّيَاءَ، فَقَالَ رَجُلٌ يُكَنَّى بِأَبِي يَزِيدَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ سامع خلقه وحقّره وصغّره» (أخرجه أحمد). ومما يتعلق بقوله تعالى: ﴿الذين هُمْ يراؤون﴾ أَنَّ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لِلَّهِ فَاطَّلَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا لَا يُعَدُّ رياء، لما رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كُنْتُ أَصَلِّي، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ، فَأَعْجَبَنِي ذَلِكَ فَذَكَرْتُهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "كُتِبَ لَكَ أَجْرَانِ: أَجْرُ السِّرِّ وَأَجْرُ العلانية" (أخرجه الحافظ الموصلي). وفي رواية عنه قَالَ، قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرَّجُلُ يَعْمَلُ الْعَمَلَ يُسِرُّهُ فَإِذَا اطُّلِعَ عَلَيْهِ أَعْجَبَهُ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَهُ أَجْرَانِ: أَجْرُ السِّرِّ وَأَجْرُ الْعَلَانِيَةِ" (أخرجه الترمذي والطيالسي وأبو يعلى الموصلي). وعن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ قَالَ: «هُمُ الَّذِينَ يؤخرون الصلاة عن وقتها» (أخرجه ابن جرير الطبري). قلت: وَتَأْخِيرُ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا يَحْتَمِلُ تَرْكَهَا بِالْكُلِّيَّةِ، ويحتمل صَلَاتَهَا بَعْدَ وَقْتِهَا شَرْعًا، أَوْ تَأْخِيرَهَا عَنْ أول الوقت.

وقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ أَيْ لَا أَحْسَنُوا عِبَادَةَ رَبِّهِمْ، وَلَا أَحْسَنُوا إِلَى خَلْقِهِ، حَتَّى وَلَا بِإِعَارَةِ ما ينتفع به مع بقاء عينه ورجوعهم إِلَيْهِمْ، فَهَؤُلَاءِ لِمَنْعِ الزَّكَاةِ وَأَنْوَاعِ الْقُرُبَاتِ أُولَى وأولى. وقد قال مجاهد ﴿الماعون﴾ الزكاة، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِنْ صَلَّى رَاءَى، وَإِنْ فَاتَتْهُ لِمَ يَأْسَ عَلَيْهَا، وَيَمْنَعُ زَكَاةَ مَالِهِ، وَفِي لَفْظٍ: صَدَقَةَ مَالِهِ. وَقَالَ