مختصر تفسير ابن كثير
فلا يأخذون منه شيئاً» (أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً)، وقوله ﷿: ﴿وقال الإنسان مالها﴾ أي استنكر أمرها بعدما كَانَتْ قَارَّةً سَاكِنَةً ثَابِتَةً، وَهُوَ مُسْتَقِرٌّ عَلَى ظَهْرِهَا أَيْ تَقَلَّبَتِ الْحَالُ، فَصَارَتْ مُتَحَرِّكَةً مُضْطَرِبَةً، قَدْ جَاءَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا قَدْ أعده لها، من الزلزال الذي لا محيد عَنْهُ، ثُمَّ أَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا مِنَ الْأَمْوَاتِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وحينئذٍ اسْتَنْكَرَ النَّاسُ أمرها، وتبدل الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ، وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ القهار، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ أَيْ تُحَدِّثُ بِمَا عَمِلَ العاملون على ظهرها، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّ أَخْبَارَهَا أَنَّ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ وَأَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا، أَنْ تَقُولَ: عَمِلَ كَذَا وَكَذَا يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها" (أخرجه أحمد والترمذي والنسائي). وفي معجم الطبراني: «تَحَفَّظُوا مِنَ الْأَرْضِ فَإِنَّهَا أُمُّكُمْ، وَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ عَامِلٌ عَلَيْهَا خَيْرًا أَوْ شَرًّا إلاّ وهي مخبرة» (أخرجه الحافظ الطبراني) وقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ قَالَ الْبُخَارِيُّ: أَوْحَى لَهَا، وَأَوْحَى إِلَيْهَا، وَوَحَى لَهَا، وَوَحَى إِلَيْهَا، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ أَيْ أَوْحَى إِلَيْهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مُضَمَّنٌ بِمَعْنَى أذن لها، وقال ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ قَالَ، قَالَ لَهَا رَبُّهَا قُولِي، فَقَالَتْ؛ وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ أَيْ أَمَرَهَا، وَقَالَ الْقُرَظِيُّ: أَمَرَهَا أَنْ تنشق عنهم، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً﴾ أَيْ يَرْجِعُونَ عَنْ موقف الْحِسَابِ ﴿أَشْتَاتاً﴾ أَيْ أَنْوَاعًا وَأَصْنَافًا مَا بَيْنَ شَقِيٍّ وَسَعِيدٍ، مَأْمُورٍ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَمَأْمُورٍ به إلى النار، قال ابن جرير: يتصدعون أشتاتاً فلا يجتمعون آخرما عَلَيْهِمْ، وَقَالَ السُّدِّيُّ ﴿أَشْتَاتاً﴾ فِرَقًا.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي ليجازوا بِمَا عَمِلُوهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾. روى الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ: لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ" الحديث. فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحُمُرِ؟ فَقَالَ: "مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ الْفَاذَّةَ الْجَامِعَةَ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ " (أخرجه الشيخان واللفظ للبخاري). وروى الإمام أحمد عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الْفَرَزْدَقِ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَرَأَ عَلَيْهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ قَالَ: حسبي أن لا أسمع غيرها (أخرجه أحمد والنسائي)، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَدِيٍّ مَرْفُوعًا: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ»، وله أيضاً في الصَّحِيحِ: «لَا تحقرنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَسْقِي، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ وَوَجْهُكَ إِلَيْهِ مُنْبَسِطٌ» (أخرجه البخاري). وفي الصحيح أيضاً: «يا معشر نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ لَا تحقرنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فرسن شاة» (أخرجه البخاري أيضاً) يَعْنِي ظِلْفَهَا، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «رُدُّوا السَّائِلَ ولو بظلف محرق». وعن عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ اسْتَتِرِي مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإِنَّهَا تَسُدُّ مِنَ الْجَائِعِ مسدها من الشبعان» (أخرجه أَحْمَدُ). وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا تَصَدَّقَتْ بِعِنَبَةٍ وقالت: كم فيها مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ