Skip to content

مختصر تفسير ابن كثير ٩١ - سورة الشمس

مختصر تفسير ابن كثير

محمد علي الصابوني

Printed page ٢/ ٦٤٤

في النصف الأخير من الشهر، وقوله تعالى: ﴿والنهار إِذَا جَلَاّهَا﴾ قال مجاهد: أضاءها، وقال قتادة: إذا غشيها النهار، وتأول بعضهم ذَلِكَ بِمَعْنَى: وَالنَّهَارُ إِذَا جَلَّا الظُّلْمَةِ لِدَلَالَةِ الكلام عليها (ذكره ابن جرير عن بعض أهل اللغة). (قلت): ولو أن الْقَائِلَ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بِمَعْنَى ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَاّهَا﴾ أَيِ الْبَسِيطَةُ لَكَانَ أَوْلَى، وَلَصَحَّ تَأْوِيلُهُ فِي قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ فَكَانَ أَجْوَدْ وَأَقْوَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِهَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَاّهَا﴾ إنه كقوله تعالى: ﴿والنهار إِذَا تجلى﴾، وأما ابن جرير فاختار عود الضمير ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الشَّمْسِ لِجَرَيَانِ ذِكْرِهَا، وَقَالُوا في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ يَعْنِي إِذَا يَغْشَى الشَّمْسَ حين تغيب فتظلم الآفاق. وقال بقية: إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ قَالَ الرَّبُّ ﷻ: غشي عبادي خلقي العظيم، فالليل تهابه، وَالَّذِي خَلَقَهُ أَحَقُّ أَنْ يَهَابَ (رَوَاهُ ابْنُ أبي حاتم). وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ (مَا) ههنا مَصْدَرِيَّةٌ بِمَعْنَى: وَالسَّمَاءِ وَبِنَائِهَا، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى (مَنْ) يَعْنِي: وَالسَّمَاءِ وَبَانِيهَا، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَكِلَاهُمَا مُتَلَازِمٌ وَالْبِنَاءُ هو الرفع كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ - أَيْ بِقُوَّةٍ - وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿طَحَاهَا﴾ دَحَاهَا، وقال ابن عباس: أي خلق فيها، وقال مجاهد وقتادة والضحّاك: ﴿طَحَاهَا﴾ بَسَطَهَا، وَهَذَا أَشْهَرُ الْأَقْوَالِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: طَحَوْتُهُ مِثْلُ دَحَوْتُهُ أَيْ بَسَطْتُهُ، وقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ أَيْ خَلَقَهَا سَوِيَّةً مُسْتَقِيمَةً عَلَى الْفِطْرَةِ الْقَوِيمَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ». وَفِي صَحِيحِ مسلم: "يَقُولُ اللَّهُ ﷿: إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ فَجَاءَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ". وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ أَيْ فَأَرْشَدَهَا إِلَى فُجُورِهَا وتقواها أي بين ذلك لها وَهَدَاهَا إِلَى مَا قُدِّرَ لَهَا، قَالَ ابْنُ عباس: بيّن لها الخير والشر، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَلْهَمَهَا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ فِيهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. وفي الحديث: إِنَّ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ أَوْ جُهَيْنَةَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ فيه ويتكادحون، أشيء قضي عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أَمْ شَيْءٌ مما يَسْتَقْبِلُونَ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ ﷺ وَأَكَّدَتْ بِهِ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ؟ قَالَ: «بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ»، قَالَ: فَفِيمَ نَعْمَلُ؟ قَالَ: "مَنْ كَانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِإِحْدَى الْمَنْزِلَتَيْنِ يُهَيِّئُهُ لها، وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿ونفسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (رَوَاهُ أحمد ومسلم).

وقوله تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ المعنى قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله، وطهرها من الأخلاق الدنيئة والرذائل، كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فصلى﴾ ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ أَيْ دَسَّسَهَا أَيْ أخملها حَتَّى رَكِبَ الْمَعَاصِيَ وَتَرَكَ طَاعَةَ اللَّهِ ﷿، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: قَدْ أفلح من زكى نَفْسَهُ، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّى اللَّهُ نَفْسَهُ، كما قال ابن عباس (هذا القول عن ابن عباس ورد به حديث مرفوع: «أفلحت نفس زكّاها الله ﷿» (أخرجه ابن أبي حاتم ولكن في إسناده ضعف). وروى ابن أبي حاتم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ