Skip to content

تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن باب ما جاء من الحجة في الرد على من طعن في القرآن وخالف مصحف عثمان بالزيادة والنقصان

تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن

القرطبي

Printed page ١/ ٨٥

" قُلْ هُوَ" وَغَيَّرَ" أَحَدٌ" فَقَرَأَ: اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ. وَإِسْقَاطُ مَا أَسْقَطَهُ نَفْيٌ لَهُ وَكُفْرٌ، وَمَنْ كَفَرَ بِحَرْفٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَقَدْ كَفَرَ بِهِ كُلِّهِ وَأَبْطَلَ مَعْنَى الْآيَةِ، لِأَنَّ أَهْلَ التَّفْسِيرِ قَالُوا: نَزَلَتِ الْآيَةُ جَوَابًا لِأَهْلِ الشِّرْكِ لَمَّا قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: صِفْ لَنَا رَبَّكَ، أَمِنْ ذَهَبٍ أَمْ مِنْ نُحَاسٍ أَمْ مِنْ صُفْرٍ؟ فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ رَدًّا عَلَيْهِمْ:" قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" فَفِي" هُوَ" دَلَالَةٌ عَلَى مَوْضِعِ الرَّدِّ وَمَكَانِ الْجَوَابِ، فَإِذَا سَقَطَ بَطُلَ مَعْنَى الْآيَةِ، وَوَضَحَ الِافْتِرَاءُ عَلَى اللَّهِ ﷿، وَالتَّكْذِيبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَيُقَالُ لِهَذَا الْإِنْسَانِ وَمَنْ يَنْتَحِلُ نُصْرَتَهُ: أَخْبِرُونَا عَنِ القرآن الذي نقرؤه وَلَا نَعْرِفُ نَحْنُ وَلَا مَنْ كَانَ قَبْلَنَا مِنْ أَسْلَافِنَا سِوَاهُ، هَلْ هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى جَمِيعِ الْقُرْآنِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، صَحِيحُ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي عَارٍ عَنِ الْفَسَادِ وَالْخَلَلِ؟ أَمْ هُوَ وَاقِعٌ عَلَى بَعْضِ الْقُرْآنِ وَالْبَعْضِ الْآخَرِ غَائِبٌ عَنَّا كَمَا غَابَ عَنْ أَسْلَافِنَا وَالْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِنَا؟ فَإِنْ أَجَابُوا بِأَنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي مَعَنَا مُشْتَمِلٌ عَلَى جَمِيعِ الْقُرْآنِ لَا يسقط منه شي، صَحِيحُ اللَّفْظِ وَالْمَعَانِي، سَلِيمُهَا مِنْ كُلِّ زَلَلٍ وَخَلَلٍ، فَقَدْ قَضَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ حِينَ زَادُوا فِيهِ" فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ وَلَيْسَ لَهُ شَرَابٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ مِنْ عَيْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتٍ الْجَحِيمِ" فَأَيُّ زِيَادَةٍ فِي الْقُرْآنِ أَوْضَحُ مِنْ هَذِهِ، وَكَيْفَ تُخْلَطُ بِالْقُرْآنِ وَقَدْ حَرَسَهُ اللَّهُ مِنْهَا وَمَنَعَ كُلَّ مُفْتَرٍ وَمُبْطِلٍ مِنْ أَنْ يُلْحِقَ بِهِ مِثْلَهَا، وَإِذَا تُؤُمِّلَتْ وَبُحِثَ عَنْ مَعْنَاهَا وُجِدَتْ فَاسِدَةً غَيْرَ صَحِيحَةٍ، لَا تُشَاكِلُ كَلَامَ الْبَارِي تَعَالَى وَلَا تُخْلَطُ بِهِ، وَلَا تُوَافِقُ مَعْنَاهُ، وَذَلِكَ أن بعدها" لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ" فَكَيْفَ يُؤْكَلُ الشَّرَابُ، وَالَّذِي أَتَى بِهِ قَبْلَهَا: فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ وَلَيْسَ لَهُ شَرَابٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ مِنْ عَيْنٍ تَجْرِي من تحت الجحيم لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ. فَهَذَا مُتَنَاقِضٌ يُفْسِدُ بَعْضُهُ بَعْضًا، لِأَنَّ الشَّرَابَ لَا يُؤْكَلُ، وَلَا تَقُولُ الْعَرَبُ: أَكَلْتُ الْمَاءَ، لَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: شَرِبْتُهُ وَذُقْتُهُ وَطَعِمْتُهُ

، وَمَعْنَاهُ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ عَلَى الصِّحَّةِ فِي الْقُرْآنِ الَّذِي مَنْ خَالَفَ حَرْفًا مِنْهُ كَفَرَ." وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ" لَا يَأْكُلُ الْغِسْلِينَ إِلَّا الْخَاطِئُونَ أَوْ لَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ إِلَّا الْخَاطِئُونَ. وَالْغِسْلِينُ: مَا يَخْرُجُ من أجوافهم من شحم وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الصَّدِيدِ وَغَيْرِهِ، فَهَذَا طَعَامٌ يُؤْكَلُ عِنْدَ الْبَلِيَّةِ وَالنِّقْمَةِ، وَالشَّرَابُ مُحَالٌ أن