Skip to content

تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن [سورة البقرة (٢): آية ١٩٧]

تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن

القرطبي

Printed page ٢/ ٤١١

هُوَ تَحْرِيضٌ وَحَثٌّ عَلَى حُسْنِ الْكَلَامِ مَكَانَ الْفُحْشِ، وَعَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى فِي الْأَخْلَاقِ مَكَانَ الْفُسُوقِ وَالْجِدَالِ. وَقِيلَ: جُعِلَ فِعْلُ الْخَيْرِ عِبَارَةً عَنْ ضَبْطِ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى لَا يُوجَدَ مَا نُهُوا عَنْهُ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَتَزَوَّدُوا" أَمْرٌ بِاتِّخَاذِ الزَّادِ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي طائفة من العرب كانت تجئ إِلَى الْحَجِّ بِلَا زَادٍ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: كَيْفَ نَحُجُّ بَيْتَ اللَّهِ وَلَا يُطْعِمُنَا، فَكَانُوا يَبْقَوْنَ عَالَةً عَلَى النَّاسِ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، وَأُمِرُوا بِالزَّادِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: كَانَ النَّاسُ يَتَّكِلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالزَّادِ، فَأُمِرُوا بِالزَّادِ. وَكَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي مَسِيرِهِ رَاحِلَةٌ عَلَيْهَا زَادٌ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ ثلاثمائة رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، فَلَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَنْصَرِفُوا قَالَ: (يَا عُمَرُ زَوِّدِ الْقَوْمَ). وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ:" تَزَوَّدُوا" الرَّفِيقَ الصَّالِحَ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا تَخْصِيصٌ ضَعِيفٌ، وَالْأَوْلَى فِي مَعْنَى الْآيَةِ: وَتَزَوَّدُوا لِمَعَادِكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. قُلْتُ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ، فَإِنَّ الْمُرَادَ الزَّادُ الْمُتَّخَذُ فِي سَفَرٍ الْحَجِّ الْمَأْكُولِ حَقِيقَةً كَمَا ذَكَرْنَا، كَمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ وَيَقُولُونَ: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:" وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى " وَهَذَا نَصٌّ فِيمَا ذَكَرْنَا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: الزَّادُ التَّمْرُ وَالسَّوِيقُ. ابْنُ جُبَيْرٍ: الْكَعْكُ وَالسَّوِيقُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ:" أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّزَوُّدِ لِمَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَإِنْ كَانَ ذَا حِرْفَةٍ تَنْفُقُ فِي الطَّرِيقِ أَوْ سَائِلًا فَلَا خِطَابَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا خَاطَبَ اللَّهُ أَهْلَ الْأَمْوَالِ الَّذِينَ كَانُوا يَتْرُكُونَ أَمْوَالَهُمْ وَيَخْرُجُونَ بِغَيْرِ زَادٍ وَيَقُولُونَ: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ. وَالتَّوَكُّلُ لَهُ شُرُوطٌ، مَنْ قَامَ بِهَا خَرَجَ بِغَيْرِ زَادٍ وَلَا يَدْخُلُ فِي الْخِطَابِ، فَإِنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْأَغْلَبِ مِنَ الْخَلْقِ وَهُمُ الْمُقَصِّرُونَ عَنْ دَرَجَةِ التَّوَكُّلِ الْغَافِلُونَ عَنْ حَقَائِقِهِ، وَاللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ". قَالَ أَبُو الْفَرَجُ الْجَوْزِيُّ: وَقَدْ لَبِسَ إِبْلِيسُ عَلَى قَوْمٍ يَدَّعُونَ التَّوَكُّلَ، فَخَرَجُوا بِلَا زَادٍ وَظَنُّوا أَنَّ هَذَا هُوَ التَّوَكُّلُ وَهُمْ عَلَى غَايَةِ الْخَطَأِ. قَالَ رَجُلٌ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: أُرِيدُ أن أخرج