Skip to content

تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن [سورة البقرة (٢): آية ١٩٧]

تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن

القرطبي

Printed page ٢/ ٤٠٨

فِي حَالِ إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ، كَقَتْلِ الصَّيْدِ وَقَصِّ الظُّفْرِ وَأَخْذِ الشَّعْرِ، وَشَبَهِ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَمَالِكٌ: الْفُسُوقُ الذَّبْحُ لِلْأَصْنَامِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ" «١» [الانعام: ١٤٥]. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفُسُوقُ التَّنَابُزُ بِالْأَلْقَابِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ:" بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ" «٢» [الحجرات: ١١]. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَيْضًا: الْفُسُوقُ السِّبَابُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵇: (سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ). وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأَقْوَالِ. قَالَ ﷺ: (مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)، (وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ) خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَجَاءَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْ عَمَلٍ أَفْضَلُ مِنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ حَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ لَا رَفَثَ فِيهَا وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ (. وَقَالَ الْفُقَهَاءُ: الْحَجُّ الْمَبْرُورُ هُوَ الَّذِي لَمْ يُعْصَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ أَثْنَاءَ أَدَائِهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ الَّذِي لَمْ يُعْصَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَعْدَهُ، ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ ﵀. قُلْتُ: الْحَجُّ الْمَبْرُورُ هُوَ الَّذِي لَمْ يُعْصَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيهِ لَا بَعْدُهُ. قَالَ الْحَسَنُ: الْحَجُّ الْمَبْرُورُ هُوَ أَنْ يَرْجِعَ صَاحِبُهُ زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا رَاغِبًا فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا، وَسَيَأْتِي. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ" قُرِئَ" فَلَا رَفَثٌ وَلَا فُسُوقٌ" بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ فِيهِمَا. وَقُرِئَا بِالنَّصْبِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ. وَأَجْمَعُوا عَلَى الْفَتْحِ فِي" وَلا جِدالَ"، وَهُوَ يُقَوِّي قِرَاءَةَ النَّصْبِ فِيمَا قَبْلَهُ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ النَّفْيُ الْعَامُّ مِنَ الرَّفَثِ وَالْفُسُوقِ وَالْجِدَالِ، وَلِيَكُونَ الْكَلَامُ عَلَى نِظَامٍ وَاحِدٍ فِي عُمُومِ الْمَنْفِيِّ كُلِّهِ، وَعَلَى النَّصْبِ أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ. وَالْأَسْمَاءُ الثَّلَاثَةُ فِي مَوْضِعِ «٣» رَفْعٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ" لَا". وَقَوْلُهُ" فِي الْحَجِّ" خَبَرٌ عَنْ جَمِيعِهَا. وَوَجْهُ قِرَاءَةِ الرَّفْعِ أَنَّ" لَا" بِمَعْنَى" لَيْسَ" فَارْتَفَعَ الِاسْمُ بَعْدَهَا، لِأَنَّهُ اسْمُهَا، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَلَيْسَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ فِي الْحَجِّ، دَلَّ عَلَيْهِ" فِي الْحَجِّ" الثَّانِي الظَّاهِرِ وَهُوَ خَبَرٌ" لَا جِدالَ". وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ: الرَّفْعُ بِمَعْنَى فَلَا يَكُونَنَّ رفث ولا فسوق، أي شي يُخْرِجُ مِنَ الْحَجِّ، ثُمَّ ابْتَدَأَ النَّفْيَ فَقَالَ: ولا جدال.