Skip to content

تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن [سورة البقرة (٢): آية ١٧٧]

تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن

القرطبي

Printed page ٢/ ٢٤٢

مَيْمُونٌ الْأَعْوَرُ يُضَعَّفُ. وَرَوَى بَيَانُ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ قَوْلَهُ وَهُوَ أَصَحُّ". قُلْتُ: وَالْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَقَالٌ فَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ مَعْنَى مَا فِي الْآيَةِ نَفْسِهَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:" وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ" فَذَكَرَ الزَّكَاةَ مَعَ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ:" وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ" لَيْسَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ يَكُونُ تَكْرَارًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا نَزَلَتْ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ بَعْدَ أَدَاءِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ صَرْفُ الْمَالِ إِلَيْهَا. قَالَ مَالِكٌ ﵀: يَجِبُ عَلَى النَّاسِ فِدَاءُ أَسْرَاهُمْ وَإِنِ اسْتَغْرَقَ ذَلِكَ أَمْوَالَهُمْ. وَهَذَا إِجْمَاعٌ أَيْضًا، وَهُوَ يُقَوِّي مَا اخْتَرْنَاهُ، وَالْمُوَفِّقُ الْإِلَهُ. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" عَلى حُبِّهِ" الضَّمِيرُ فِي" حُبِّهِ" اخْتُلِفَ فِي عَوْدِهِ، فَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى الْمُعْطِي لِلْمَالِ، وَحُذِفَ الْمَفْعُولُ وَهُوَ الْمَالُ. ويجوز نصب" ذَوِي الْقُرْبى " بالحلب، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلَى حُبِّ الْمُعْطِي ذَوِي الْقُرْبَى. وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى الْمَالِ، فَيَكُونُ الْمَصْدَرُ مُضَافًا إِلَى الْمَفْعُولِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيَجِيءُ قَوْلُهُ" عَلى حُبِّهِ" اعْتِرَاضًا بَلِيغًا أَثْنَاءَ الْقَوْلِ. قُلْتُ: ونطيره قَوْلُهُ الْحَقُّ:" وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً

«١» " فَإِنَّهُ جَمَعَ الْمَعْنَيَيْنِ، الِاعْتِرَاضَ وَإِضَافَةَ الْمَصْدَرِ إِلَى الْمَفْعُولِ، أَيْ عَلَى حُبِّ الطَّعَامِ. وَمِنَ الِاعْتِرَاضِ قَوْلُهُ الْحَقُّ:" وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ «٢» " وَهَذَا عِنْدَهُمْ يُسَمَّى التَّتْمِيمَ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْبَلَاغَةِ، وَيُسَمَّى أَيْضًا الِاحْتِرَاسُ وَالِاحْتِيَاطَ، فَتَمَّمَ بِقَوْلِهِ" عَلى حُبِّهِ" وَقَوْلُهُ:" وَهُوَ مُؤْمِنٌ"، وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:

مَنْ يَلْقَ يَوْمًا عَلَى عِلَّاتِهِ هَرِمًا ... يَلْقَ السَّمَاحَةَ مِنْهُ وَالنَّدَى خُلُقَا

وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:

عَلَى هَيْكَلٍ يُعْطِيكَ قَبْلَ سُؤَالِهِ ... أَفَانِينَ جَرْيٍ غَيْرَ كَزٍّ وَلَا وَانِ

فَقَوْلُهُ:" عَلَى عِلَّاتِهِ" وَ" قَبْلَ سُؤَالِهِ" تَتْمِيمٌ حَسَنٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ عنترة:

أثنى علي بما علمت فإنني ... سهل مخالفتي إذا لم أظلم