Skip to content

تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن [سورة البقرة (٢): آية ١٦٤]

تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن

القرطبي

Printed page ٢/ ١٩٢

عَنْ أَبِي الضُّحَى قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ" وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ" قَالُوا هَلْ مِنْ دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى" إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" فَكَأَنَّهُمْ طَلَبُوا آيَةً فَبَيَّنَ لَهُمْ دَلِيلَ التَّوْحِيدِ، وَأَنَّ هَذَا الْعَالَمَ وَالْبِنَاءَ الْعَجِيبَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ بَانٍ وَصَانِعٍ. وَجَمَعَ السموات لِأَنَّهَا أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ كُلُّ سَمَاءٍ مِنْ جِنْسٍ غَيْرِ جِنْسِ الْأُخْرَى. وَوَحَّدَ الْأَرْضَ لِأَنَّهَا كُلَّهَا تراب، والله تعالى أعلم. فآية السموات: ارْتِفَاعُهَا بِغَيْرِ عَمَدٍ مِنْ تَحْتِهَا وَلَا عَلَائِقَ مِنْ فَوْقِهَا، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى الْقُدْرَةِ وَخَرْقِ الْعَادَةِ. وَلَوْ جَاءَ نَبِيٌّ فَتُحُدِّيَ بِوُقُوفِ جَبَلٍ فِي الْهَوَاءِ دُونَ عَلَاقَةٍ كَانَ مُعْجِزًا. ثُمَّ مَا فِيهَا مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ السَّائِرَةِ وَالْكَوَاكِبِ الزَّاهِرَةِ شَارِقَةً وَغَارِبَةً نَيِّرَةً وَمَمْحُوَّةً آيَةٌ ثَانِيَةٌ. وَآيَةُ الْأَرْضِ: بِحَارُهَا وَأَنْهَارُهَا وَمَعَادِنُهَا وَشَجَرُهَا وَسَهْلُهَا وَوَعْرُهَا. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ" قِيلَ: اخْتِلَافُهُمَا بِإِقْبَالِ أَحَدِهِمَا وَإِدْبَارِ الْآخَرِ مِنْ حَيْثُ لَا يُعْلَمُ. وَقِيلَ: اخْتِلَافُهُمَا فِي الْأَوْصَافِ مِنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ وَالطُّولِ وَالْقِصَرِ. وَاللَّيْلُ جَمْعُ لَيْلَةٍ، مِثْلُ تَمْرَةٍ وَتَمْرٍ وَنَخْلَةٍ وَنَخْلٍ. وَيُجْمَعُ أَيْضًا لَيَالِي وَلَيَالٍ بِمَعْنًى، وَهُوَ مِمَّا شَذَّ عَنْ قِيَاسِ الْجُمُوعِ، كَشَبَهٍ وَمُشَابِهٍ وَحَاجَةٍ وَحَوَائِجَ وَذَكَرٍ وَمَذَاكِرٍ، وَكَأَنَّ لَيَالِيَ فِي الْقِيَاسِ جَمْعُ لَيْلَاةٍ. وَقَدِ اسْتَعْمَلُوا ذَلِكَ فِي الشِّعْرِ قال:

في كل يوم وَكُلِّ لَيْلَاةٍ

وَقَالَ آخَرُ:

فِي كُلِّ يَوْمٍ مَا وَكُلِّ لَيْلَاهُ ... حَتَّى يَقُولَ كُلُّ رَاءٍ إِذْ رَآهُ

يَا وَيْحَهُ مِنْ جَمَلٍ مَا أَشْقَاهُ

قَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي الْمُجْمَلِ: وَيُقَالُ إِنَّ بَعْضَ الطَّيْرِ يُسَمَّى لَيْلًا، وَلَا أَعْرِفُهُ «١». وَالنَّهَارُ يُجْمَعُ نُهُرٌ وَأَنْهِرَةٌ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى ثَعْلَبٌ: نَهَرٌ جَمْعُ نُهُرٍ وَهُوَ جَمْعُ [الجمع «٢»] للنهار، وقيل النهار اسم