Skip to content

تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن [سورة البقرة (٢): آية ٢٢]

تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن

القرطبي

Printed page ١/ ٢٣٠

فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ أُطْلِقَ اسْمُ الرِّزْقِ عَلَى مَا يَخْرُجُ مِنَ الثَّمَرَاتِ قَبْلَ التَّمَلُّكِ؟ قِيلَ لَهُ: لِأَنَّهَا مُعَدَّةٌ لِأَنْ تُمْلَكَ وَيَصِحَّ بِهَا الِانْتِفَاعُ، فَهِيَ رِزْقٌ. الْخَامِسَةُ قُلْتُ: وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَغْنَى الْإِنْسَانَ عَنْ كُلِّ مَخْلُوقٍ، وَلِهَذَا قَالَ ﵇ مُشِيرًا إِلَى هَذَا الْمَعْنَى: (وَاللَّهِ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَيَدْخُلُ فِي مَعْنَى الِاحْتِطَابِ جَمِيعُ الْأَشْغَالِ مِنَ الصَّنَائِعِ وَغَيْرِهَا، فَمَنْ أَحْوَجَ نَفْسَهُ إِلَى بَشَرٍ مِثْلِهِ بِسَبَبِ الْحِرْصِ وَالْأَمَلِ وَالرَّغْبَةِ فِي زُخْرُفِ الدُّنْيَا فَقَدْ أَخَذَ بِطَرَفِ مَنْ جَعَلَ لِلَّهِ نِدًّا. وَقَالَ عُلَمَاءُ الصُّوفِيَّةِ: أَعْلَمَ اللَّهُ ﷿ فِي هَذِهِ الْآيَةِ سَبِيلَ الْفَقْرِ، وَهُوَ أَنْ تَجْعَلَ الْأَرْضَ وِطَاءً وَالسَّمَاءَ غِطَاءً، وَالْمَاءَ طِيبًا وَالْكَلَأَ طَعَامًا، وَلَا تَعْبُدَ أَحَدًا فِي الدُّنْيَا مِنَ الْخَلْقِ بِسَبَبِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ أَتَاحَ «١» لَكَ ما لأبد لَكَ مِنْهُ، مِنْ غَيْرِ مِنَّةٍ فِيهِ لِأَحَدٍ عَلَيْكَ. وَقَالَ نَوْفٌ الْبَكَالِيُّ: رَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَرَجَ فَنَظَرَ إِلَى النُّجُومِ فَقَالَ: يَا نَوْفُ، أَرَاقِدٌ أَنْتَ أَمْ رَامِقٌ؟ قُلْتُ: بَلْ رَامِقٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا وَالرَّاغِبِينَ فِي الْآخِرَةِ، أُولَئِكَ قَوْمٌ اتَّخَذُوا الْأَرْضَ بِسَاطًا، وَتُرَابَهَا فِرَاشًا، وَمَاءَهَا طِيبًا، وَالْقُرْآنَ وَالدُّعَاءَ دِثَارًا وَشِعَارًا، فَرَفَضُوا الدُّنْيَا عَلَى مِنْهَاجِ الْمَسِيحِ ﵇ ... وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ، وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ قوله تعالى:" أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ «٢» " [البقرة: ١٨٦] إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. السَّادِسَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلا تَجْعَلُوا) نَهْيٌ. (لِلَّهِ أَنْداداً) أَيْ أَكْفَاءً وَأَمْثَالًا وَنُظَرَاءَ، وَاحِدُهَا نِدٌّ، وَكَذَلِكَ قَرَأَ مُحَمَّدُ بن السميقع" جُنْداً"، قَالَ الشَّاعِرُ:

نَحْمَدُ اللَّهَ وَلَا نِدَّ لَهُ ... عِنْدَهُ الْخَيْرُ وَمَا شَاءَ فَعَلْ

وَقَالَ حَسَّانُ:

أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ