Skip to content

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم قوله تعالى: ﴿ولقد مننا عليك مرة أخرى (٣٧) إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (٣٨) أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له﴾

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Printed page ٤/ ٥٠٧

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه مَنَّ على موسى مرة أخرى قبل مَنِّهِ عليه بالرسالة ورسالة أخيه معه، وذلك بإنجائه من فرعون وهو صغير، إذ أوحى إلى أمه، أي: ألهمها وقذف في قلبها، وقال بعضهم: هي رؤيا منام. وقال بعضهم: أوحى إليها ذلك بواسطة ملك كلَّمها بذلك. ولا يلزم من الإيحاء في أمر خاص أن يكون الموحى إليه نبيًّا، و ﴿أَنِ﴾ في قوله: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ هي المفسرة؛ لأن الإيحاء فيه معنى القول دون حروفه. والتعبير بالموصول في قوله: ﴿مَا يُوحَى (٣٨)﴾ للدلالة على تعظيم شأن الأمر المذكور، كقوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾، وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ والتابوت: الصندوق. واليم: البحر. والساحل: شاطئ البحر. والبحر المذكور: نيل مصر. والقذف: الإلقاء والوضع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. ومعنى ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾ أي ضعيه في الصندوق. والضمير في قوله: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ راجع إلى موسى بلا خلاف. وأما الضمير في قوله: ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ وقوله: ﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ فقيل: راجع إلى التابوت. والصواب رجوعه إلى موسى في داخل التابوت؛ لأن تفريق الضمائر غير حسن، وقوله: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ هو فرعون، وصيغة الأمر في قوله: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ فيها وجهان معروفان عند العلماء:

أحدهما: أن صيغة الأمر معناها الخبر. قال أبو حيان في البحر المحيط: و ﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أمر معناه الخبر، وجاء بصيغة الأمر مبالغة، إذ الأمر أقطع الأفعال وأوجبها.

الوجه الثاني: أن صيغة الأمر في قوله: ﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أريد بها