Skip to content

من حديث النفس أنا والنجوم

من حديث النفس

علي الطنطاوي

Printed page ٢٢

أنا منفرد على سطح دار في «الزُّبَير» (١) في هذه الليلة الساكنة المتلألئة النجوم، وأمامي الصحراء التي تمتد إلى عُمان واليمن ونجد والحجاز، وورائي السواد الذي يصل إلى أرض فارس، وهي قريبة، حتى إني لأرى لهيب النفط المشتعل في عبادان وأنا في مكاني ... أتأمل هذه الصحراء المجيدة المباركة التي كُتب على رمالها أروع سطور المجد وأجمل صحائف التاريخ، ونبت في رمالها دَوح الحضارة الذي أوَت إليه الإنسانية وتفيأت ظلاله يوم لا ظلّ في الأرض إلاّ ظله. وأفكر فيطول بي التفكير، ويطل بي الفكر على آفاق واسعة ودنياوات عظيمة، وتنبلج في نفسي أصباح منيرة، فأجد في رأسي مئات من الأفكار الجديدة الكبيرة، وفي نفسي مئات من الصور الرائعة المبتكرة، ولكني لا أكاد أمسك واحدة منها لأقيدها بالألفاظ وأغلّها بالكَلِم حتى تفلت مني وتعدو في طريقها منحدرة إلى أغوار عقلي الباطن، فلا أنا استمتعت بها استمتاع الناس بأفكارهم ولا أنا سجلتها في مقالة وصنعت منها تحفة أدبية. ولو أني قدرت أن أكتب معشار ما أتصور لكنت شيئاً عظيماً، ولكني لا أقدر ... ولا أصب في مقالاتي إلاّ حثالة أفكاري!