Skip to content

الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية - ط عطاءات العلم الفصل السادس: في ذكر بعض زهده وتجرده وتقاعده عن الدنيا وتبعده

الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية - ط عطاءات العلم

أبو حفص البزار

Printed page ٧٦٦

من العلماء قنع من الدنيا بمثل ما قنع هو منها، أو رضي بمثل حالته التي كان عليها؟ لم يُسمع أنه رغب في زوجةٍ حسناء ولا سرية حوراء، ولا دار قوراء، ولا جَوَارٍ، ولا بساتين ولا عَقار، ولا شدّ على دينار ولا درهم، ولا رغب في دواب ولا نَعَم، ولا ثياب ناعمة فاخرة ولا حَشَم، ولا زاحم في طلب الرياسات، ولا راءى ساعيًا في تحصيل المباحات، مع أنّ الملوك والأمراء والتجّار والكبار كانوا طَوعَ أمرِه، خاضعين لقوله وفعله، وادّين أن يتقربوا إلى قلبه مهما أمكنهم، مظهرين لإجلاله، أو أن يؤهل كلًا منهم (١) في بذل ماله.

فأين حاله هذه من أحوال بعض المنتسبين إلى العلم وليسوا من أهله، ممّن قد أغراه الشيطان بالوقيعة فيه بقوله وفعله؟ أتُرى ما نظروا ببصائرهم إلى صفاتهم وصفاته، وسِماتهم وسماته، وتحاسدهم في طلب الدنيا وفراغه عنها، وتحاشدهم في الاستكثار منها، ومبالغته في الهرب منها، وخدمتهم الأمراء واختلافهم إلى أبوابهم، وذلّ الأمراء بين يديه، وعدم اكتراثه بكبرائهم وأترابهم ومداجاتهم وتعبداتهم، وصدعه إيّاهم بالحق، وقوّة جأشه في محاورتهم؟ بلى والله! ولكن قتَلَتْهم الحالقة، حالقة الدين لا حالقة الشعر، وغطّى على أحلامهم حبّ الدنيا السارقة، سارقة العقل لا سارقة البدن، حتى أصبحوا قاطعين من بايَنَهم (٢) في طلبها، واصلين مَن واصلهم في جلبها.