Skip to content

بحر المذهب للروياني كتاب أدب القضاء

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Printed page ١١/ ١٠٧

المنفعة، إما بالتخفيف وإما بكثرة الثواب.

والثاني: أنه على التقديم والتأخير، ومعناه نأت منها بخير.

وإذا كان كذلك لم يجز نسخ القرآن بالسنة صرح به الشافعي، ووافقه أصحابه. واختلفوا هل منع منه العقل أو الشرع على وجهين: أحدهما: منع منه العقل؛ لأنه يمنع من اعتراض المأمور على الآخر.

والثاني: منع منه الشرع دون العقل؛ لأن التفويض إلى المأمور لا يمنع من مشاركة الأمر.

وجوز أبو حنيفة نسخ القرآن بالسنة المستفيضة كما نسخت آية الوصايا، وهي قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً﴾ [البقرة: ١٨٠] الآية، بقوله ﷺ: "لا وصية لوارث". ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ [النحل: ١٠١]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ وروى جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كلامي لا ينسخ كلام الله تعالى وكلام الله ينسخ كلامي، وكلام الله ينسخ بعضه بعضًا"، رواه الدارقطني ﵀. والذي نسخ آية الوصايا هو آية المواريث وكانت السنة بيانًا. وأما نسخ السنة بالقرآن فظاهر مذهبنا الذي نص عليه في القديم والجديد أنه لا يجوز نسخ السنة بالقرآن، كما لا يجوز نسخ القرآن بالسنة.

وقال ابن سريج: يجوز بخلاف ذلك؛ لأن القرآن أوكد من السنة، وخرجه قولاً ثانيًا للشافعي ﵁ من كلام تأوله في الرسالة، واستشهاده بأن الآمر أنفذ حكمًا من المأمور.

[١٠٦/أ] ثم اختلف أصحابنا في طريق الجواز والمنع في الشرع مع جوازه في العقل على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا يوجد سنة إلا ولها في كتاب الله تعالى أصل كانت السنة بيانًا لمجمله، فإذا ورد الكتاب بنسخها كان نسخًا لما في الكتاب من أصلها، فصار هذا نسخ الكتاب بالكتاب.

والثاني: أن الله تعالى يوحي إلى رسول الله ﷺ بما يحفيه عن أمته، فإذا أراد نسخ ما سنة للرسول ﷺ أعلمه به حتى يظهر نسخه، ثم يرد الكتاب بنسخه، ثم يرد الكتاب بنسخه تأكيداً لنسح رسول الله ﷺ، فصار ذلك نسخ السنة بالسنة.

والثالث: نسخ الكتاب بالسنة يكون أمراً من الله تعالي لرسول الله ﷺ بالنسخ، فيكون الله تعالى هو الآمر به والرسول ﷺ هو الناسخ، فصار ذلك نسخ السُنة بالكتاب والسُنة والله أعلم.

وأما القسم الثالث في أحكام النسخ فهو على خمسة أضرب. أحدها: ما نسخ