عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار
وقد اتفقنا أنه لم يفعل في الصحاري، فدل على أنه فعله في البنيان.
فإن قيل: فإن النبي ﷺ إنما قصد بما فعله من ذلك الاستخفاء والاستتار، وإنما يؤخذ الشرع من أفعاله التي يظهرها ليسن لنا، فأما ما يقصد كتمانه ولا يظهره، ولا ينتشر عنه فلا يكون شرعا.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن الذي يستتر به النبي ﷺ يكون شرعا لنا كالذي يظهره؛ لأنه ﷺ لا يفعل في نفسه ما لا يسوغ وهو من شريعته، فسواء فعل النبي ﷺ على وجهه الاستسرار به أو الإظهار فهو شرع لنا إذا وقفنا عليه.
وقد حكى الله - تعالى - عن شعيب ﵇ أنه قال: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (١).
ويشهد لما قلناه: أن الصحابة لما اختلفت في وجوب الغسل من الإيلاج، قالوا: "النساء أعرف بهذا، فبعثوا إلى عائشة ﵂، فقالت لهم: إذا التقى الختانان وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا" (٢).