الغيث الهامع شرح جمع الجوامع
قَالَ: وَالذي عَلَيْهِ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ أَنَّهُ خِيَارٌ لاَ يَجُوزُ العَمَلُ بِهِ إِلَّا عِنْدَ فَقْدِ الحُجَجِ كُلِّهَا فِي بَابِ مَا أُبِيحَ لَهُ عَمَلُهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
وقَالَ بَعْضُ الْجَبْرِيَّةِ: إِنَّهُ حُجَّةٌ بِمَنْزِلَةِ الوَحْيِ المسموعِ عَنْ رسولِ اللَّهِ- ﷺ وَاحَتَجَّ بِقَوْلِهِ تعَالَى: ﴿وَنَفْسٍ ومَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وتَقْوَاهَا﴾.
أَيْ: عَرَّفَهَا بِالإِيقَاعِ فِي القلبِ، وبِقَوْلِهِ تعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ وبِقولِهِ ﵊: ((اتَّقُوا فِرَاسَةَ (١٦٣ب/د) الْمُؤْمِنِ)) وقولِهِ ﵊: ((الإِثْمُ مَا حَاكَ فِي قَلْبِكَ، فَدَعْهُ وَإِلاَّ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتُوكَ)) فَقَدْ جَعَلَ ﵊ شَهَادةَ قَلبِه بِلاَ حُجَّةٍ أَوْلَى مِنَ الفَتْوَى، فَثَبَتَ أَن الإِلهَامَ حَقٌّ، وأَنَّهُ وَحْيٌ بَاطِنٌ، إِلاَّ أَنَّ العبدَ إِذَا عَصَى رَبَّهُ، وعَمِلَ بِهَوَاهُ حُرِمَ هذه الكرَامةُ.
قُلْتُ: ولاَ حُجَّةَ فِي شَيْءٍ مِمَّا استدلُوا بِهِ، لأَنَّهُ لَيْسَ المُرَادُ الإِيقَاعَ فِي القلبِ بِلاَ دليلٍ، بَلِ الهدَايةُ إِلَى الحقِّ بِالدليلِ، كَمَا قَالَ عَلِيُّ- رَضِي اللَّهُ تعَالَى عَنْه-ُ: (إِلاَّ أَنْ يُؤْتِي اللَّهُ عَبْدًا فَهْمًا فِي كِتَابِهِ).
وكَانَ شيخُنَا الإِمَامُ البَلْقِينِيُّ يَقُولُ: إِنَّ الفُتُوحَاتِ التي يُفْتَحُ بِهَا علَى العُلمَاءِ فِي الاهتدَاءِ إِلَى اسْتِنْبَاطِ المَسَائِلِ المُشْكِلَةِ مِنَ الأَدِلَّةِ أَعَمُّ نَفْعًا وأَكثرُ فَائِدَةً مِمَّا يُفْتَحُ بِهِ عَلَى الأَوليَاءِ مِنَ/ (٢٠٢/أَ/م) الاطِّلاَعِ علَى بَعْضِ الغُيوبِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لاَ يَحْصُلُ بِهِ مِنَ النّفْعِ مِثْلَ مَا يَحْصُلُ بِهذَا.
قُلْتُ: وأَيضًا، فهذَا موثوقٌ بِهِ لِرجوعِهِ إِلَى أَصْلٍ شَرْعِيٍ، وذَاكَ قَدْ يَضْطَرِبُ