وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ... ﴾ الآية [الحج، الآية (٢٥)]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ... ﴾ الآية [المائدة، الآية (٢)]، وقال تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ... ﴾ الآية [البقرة، الآية (٢١٧)]، ومن الآيات التي تشير إلى أن عمارة المساجد هي طاعة الله فيها، قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ... ﴾ الآية [التوبة، الآية (١٨)].
وأما من قال من أهل العلم بجواز دخول الكفار جميع مساجد المسلمين غير المسجد الحرام (١)، فقد احتجوا بأن الله إنما نهى عن ذلك في خصوص المسجد الحرام، في قوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ... ﴾ الآية، وقالوا: ويفهم من تخصيص المسجد الحرام بالذِّكْرِ أنَّ غيرَهُ مِنَ المساجد ليس كذلك، واحتجوا لذلك بأن النبي ﷺ ربط ثُمَامة بن أَثَال سيد أهل اليمامة لما جيئ به أسيرًا في سارية من سواري المسجد وهو مشرك قبل إسلامه (٢)، قالوا: وقد أنزل ﷺ وفد (_) (٣) نجران بالمسجد في المدينة وهم نصارى (٤)، (وقدوم وفد نجران متأخر) (٥)؛ لأنهم أعطوا الجزية لَمَّا خافوا من المباهلة، والجزية إنما أنزلت في سورة براءة (٦)، ونزولها كان في رجوعه ﷺ من غزوة تبوك، وغزوة تبوك (_) (٧) سنة تسع بلا خلاف (٨).
ومن قال من أهل العلم بأنه لا يجوز دخول الكافر مسجدًا من مساجد المسلمين إلا بأمان من مسلم (٩)، فقد احتج لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ... ﴾، قالوا: قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ يدل على أن مَنْ دخلها بأمانِ مسلمٍ فقد دخلها خائفًا، بحيث لا يتمكن من دخولها إلا بأمان مسلم لخوفه لو دخلها بغير أمان (١٠)، وأما مَنْ قال من أهل العلم: إن قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ... ﴾ الآية، يشمل الحرم كله، ولا يختص بالمسجد الحرام المنصوص عليه في الآية (١١)، فَحُجَّتُهُ هي ما علم من إطلاق المسجد الحرام وإرادة الحرم كله، كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... ﴾ الآية [التوبة، الآية (٧)]، ومعلوم أن المعاهدة كانت في غير المسجد الحرام، بل كانت في طرف الحديبية (١٢) الذي هو داخل في الحرم، كما قال غيرُ واحد (١٣).
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... ﴾ الآية [الإسراء، الآية (١)]، وكان الإسراء به من بيت أم هانئ (١٤)، لا من نفس المسجد الحرام على القول بذلك (١٥).
وقوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ ... ﴾ الآية [البقرة، الآية (٢١٧)]، وهم مُخْرَجُوْنَ مِن مكةَ لا مِن نفسِ المسجدِ، ونحو ذلك من الآيات، والعلم عند الله تعالى.