Skip to content

معترك الأقران في إعجاز القرآن الوجه الثاني والثلاثون من وجوه إعجازه (ما فيه من الآيات الجامعة للرجاء والعدل والتخويف)

معترك الأقران في إعجاز القرآن

الجلال السيوطي

Printed page ١/ ٣٦١

وحكى الثعلي عن أهل الإشارة أنه تعالى غافر الذنب فَضْلاً، وقابل التوب

وَعْداً، شديد العقاب عَدْلاً.

فإن قلت: ما بال الواو في قوله: (وقابل التَّوْب) ، قلت: فيها نكتة جليلة.

وهي إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين، بين أن تُقبل توبته فيكتبها له

طاعة من الطاعات، وأن يجعلها ممحاة للذنوب كأن لم يذنب، كأنه قال: جامع المغفرة والقبول.

وحكى الطبري عن أبي عيّاش أن رجلاً جاء إلى عمر ﵁، فقال:

إني قتلتُ نفساً فهل لي من توبة، فقال: نعم، افعل ولا تيأس.

ثم قرأ هذه الآية إلى قوله: (غافر الذنب وقابل التَّوْب) .

وروي أنه افتقد رجلاً ذا بأس شديد من أهل الشام، فقيل: له تتابع في هذا

الشراب.

فقال عمر لكاتبه: اكتب من عمر إلى فلان: سلام عليك، وأنا أحمد

الله إليك الذي لا إله إلا هو: بسم الله الرحمن الرحيم (حم تنزيل الكتاب من

الله العزيز العليم، غافر الذّنْبِ وقَابلِ التَّوْب) ... إلى قوله: (إليه المَصِير) .

وختم الكتاب وقال لرسوله: لا تدفعه إليه حتى تجده صاحياً، ثم أمر مَنْ

عنده بالدعاء له بالتوبة.

فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول: قد وعدني.

قد وعدني الله أن يغفر لي، وحذّرَني عقابه، فلم يبرح يرددها حتى بكى، ثم نزع فأحسن النزوع، وحسنتْ توبته.

فلما بلغ عمر أمْرُه قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاكم قد زلّ زلة فسدّدوه، ووقِّفوه، وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعواناً للشياطين عليه.

أخذ ذلك من الحديث الذي أمر ﷺ برجمه فقالوا: أخزاه الله.

فقال ﷺ: هَلاَ قلتم اللهم اغفر له! لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم.

وقيل: أرجى آيةٍ آية الدَّيْن، ووجهه أنَّ اللهَ أرشد عبادَه إلى مصالحهم