نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار
ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يُتوِّجوه فَيُعَصِّبوه بالعصابة، فلما رد الله ﷿ ذلك بالحق الذي أعطاك شَرِقَ بذلك فذلك فعل به ما رأيت، فعفى عنه النبي ﵇، وكان النبي ﵇ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى؛ قال الله ﷿: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١)، وقال الله ﷿: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ. . . .﴾ الآية (٢)، وكان النبي ﵇ يتأول العفو كما أمره الله ﷿ به، حتى أذن الله فيهم، فلما غزا النبي ﵇ بدرًا فقتل الله ﷿ به مَن قتل مِن صناديد كفار قريش، قال أبي بن أبي سلول ومَن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه فبايعوا رسول الله ﵇ وأسلموا".
ففي هذا الحديث أن ما كان من تسليم النبي ﵇ كان في الوقت الذي أمره الله بالعفو عنهم والصفح، وترك مجادلتهم إلا بالتي هي أحسن، ثم نسخ الله ﷿ ذلك، وأمره بقتالهم، فنُسخ مع ذلك السلام عليهم، وثبت قوله: "لا تبتدئوا اليهود ولا النصارى بالسلام، ومَن سلم عليكم، منهم فقالوا: وعليكم، حتى تردوا عليه ما قال" ونُهوا أن يزيدوهم على ذلك.
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا ابن عون، عن حميد بن زاذويه، عن أنس بن مالك ﵁ قال: "نُهينا أن نزيد أهل الكتاب على: وعليكم".
فبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي نظرنا فيما ذكرنا من قولنا: ويحتمل أن يكون النبي ﵇ سلم عليهم. . . . إلى آخره، وأراد بذلك أنه لما نظر في ذلك المعنى وجد حديث أسامة بن زيد قد