Skip to content

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار ص: باب: الرجل يصلي الفريضة خلف من يصلي تطوعا

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Printed page ٦/ ٢٧٦

فإن قيل: لا يُظن بمعاذ أنه يترك فضيلة فرضه خلف النبي ﵇ ويأتي بها مع قومه.

قلت: قال ابن العربي: فضيلة النافلة خلفه لتأدية فريضة لقومه يقوم مقام أداء الفريضة معه، وامتثال أمره ﵇ في إمامة قومه زيادة طاعة، وهذا الكلام مما يرجح الاحتمال الأول من الاحتمالين الذين ذكرهما الطحاوي، فحينئذٍ لم يبق في الحديث حجة أصلًا لهؤلاء الطائفة.

ص: فقال أهل المقالة الأولى: فإنا قد وجدنا في بعض الآثار أن ما كان يُصلّيه بقومه هو تطوع وأن ما كان يصليه مع النبي ﵇ هو فريضة، وذكروا في ذلك ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عمرو، قال: أخبرني جابرٌ: "أن معاذًا كان يُصلّي مع النبي ﵇ العشاء ثم ينصرف إلى قومه فيصلّي بهم هي له تطوّع ولهم فريضةٌ.

فكان من حجة الآخرين عليهم أن ابن عُيَيْنة روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار كما رواه ابن جريج، وجاء به تامًّا وساقَه أحسن من سياقة ابن جريج، غير أنه لم يقل فيه هذا الذي قاله ابن جريج: "هي له تطوع ولهم فريضة"، فيجوز أن يكون ذاك من قول ابن جريج، ويجوز أن يكون من قول عمرو بن دينار، ويجوز أن يكون من قول جابرٍ ﵁، فمن أي هؤلاء الثلاثة كان؟ القول فليس فيه شيء دليل على حقيقة فعل معاذ ﵁ أنه كذلك؛ لأنهم لم يحكوا ذلك عن معاذ، إنما قالوا قولًا على أنه عندهم كذلك، وقد يجوز أن يكون في الحقيقة بخلاف ذلك، ولو ثبت ذلك أيضًا عن معاذ لم يكن في ذلك دليل أنه كان بأمر النبي ﵇، ولا أن النبي ﵇ لو أخبره به لأقرّه أو غيّره، وهذا عمر بن الخطاب ﵁ لما أخبره رفاعة بن رافع أنهم كانوا يجامعون على عهد النبي ﵇ ولا يغتسلون حتى يُنْزِلوا، فقال له عمر: أفاخبرتم النبيّ ﵇ بذلك فَرضِيهُ لكم؟ قال: لا. فلم يجعل ذلك عمر ﵁ حجةً، فكذلك هذا الفعل لو ثبت أن معاذًا فعله في عهد النبي ﵇ لم يكن في ذلك دليل أنه بأمر النبي ﵇.