مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية
ويبدو أن الذي يعنيه شيخ الإسلام بعدم الانتصار هو عدم تحقيق الهدف الذي أراده الخليفة علي ﵁ من غزو الشام وهو إدخاله ضمن خلافته.
أما المعروف عن علي ﵁ فإنه لم يَخِبْ في أي معركة دخلها، ولم يُهزم في معركة قط.
وأما الذين لم يدخلوا المعركة أصلا كسعد بن أبي وقاص فذلك بناء على اجتهاده ﵁، ولا نستطيع أن نقول إنه أراد بذلك خذل عليّ ﵁، فكيف يترتب عليه خذله ﵁.
ولا يشك أحد منا أن عليا ﵁ كان أقرب إلى الحق من معاوية ﵁ بدليل حديث عمار.
وهذا الذي قاله شيخ الإسلام بأن معاوية وأصحابه انتصروا وفتحوا البلاد مع أنهم خذلوا عليا يقال بأن أصحاب معاوية ما أرادوا ذلك وإنما كان همهم شيئاً آخر وهو القصاص، والذي جعلهم يقاتلونه ﵁ – أمر خارجي وليس بغضه، فهذا اجتهاد منهم، وهم على اجتهادهم مأجورون، بل كانوا يحبونه بدليل حديث صحيح مروي عن علي أنه قال: ((والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة إنه لعهد النبي إليّ أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق..)) صحيح مسلم ١/٦٤ من الجزء الثاني كتاب الإيمان باب حب علي من الإيمان، وبلا شك فهم كانوا مؤمنين وقد وصفهم الله ﷿ بذلك في كتابه: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا..﴾ . وبهذا ظهر الأمر جليا أن معاوية ومن معه رضوان الله عليهم أجمعين لم يكن قتالهم ناشئاً من العداوة، وإنما ذلك من أجل القصاص لدم عثمان ﵁، وإلا فهم كانوا يوالونه موالاة المؤمنين بعضهم لبعض ولم يكونوا يعادونه لا قبل تلك المعارك ولا بعدها.
فإذا كان الأمر كذلك فلا معارضة إذاً بين الحديث والواقع، علماً بأن الحديث لم يصح بجميع أجزائه، وإنما صح منه بعض الأطراف دون غيرها. وقد سبق بيان ذلك ص٢٠،٢١.