Skip to content

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Printed page ١١/ ٦٥٤٩

بأنَّ هذا العتق على وَجْهِ القُربة والطاعة لله ﷾ حتى وإن كانت نتيجة خطأ وَقَعَ فيه المكلَّف، إلا أنها استجابة لأمر الله ﷾ فتكون طاعةً من الطاعات.

دليل الجمهور:

وجمهور العلماء يستدلُّون بحديث معاوية بن الحكم، فقد كانت عنده جاريةٌ فجاء إلى رسول الله ﷺ ومعه الجارية، وقال: يا رسول الله عَلَيَّ عِتْقُ رقبةٍ فَأُعْتِقُهَا؟ فسألها رسول الله ﷺ: "أينَ اللهِ؟ ". قالت: في السماء. قال: "مَن أنا؟ ". قالت: أنتَ رسول الله. فقال الرسول ﷺ: "أَعْتِقْهَا، فإنها مؤمنةٌ". وهو حديثٌ صحيحٌ جاء في "صحيح مسلمٍ" (١) وغيره (٢)، وجمهور أهل العلم يعتبرونه نَصًّا صريحًا في هذه المسألة، واحتجُّوا بأن هذا إن لم يكن شرطًا في صحَّة عِتْقِهَا لم يكن الرسول ﷺ لِيسألَها: "أين الله؟ " ولا: "من أنا"، وأن قوله ﷺ لمعاوية: "أَعْتِقْهَا، فإنها مؤمنةٌ". إنما هو نَصٌّ صريحٌ يُستَدَلُّ منه على اشتراط الإيمان في الرقبة المعتَقَة، وإن لم يكن هذا شرطًا في العتق لَبَيَّنَ الرسول ﷺ ذلك؛ لأن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة (٣) كما هو معلوم من قواعد الأصول.

- قوله: (وَرُبَّمَا قَالُوا: إِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ القِيَاسِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ حَمْلِ المُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَيَّدَ الرَّقَبَةَ بِالإِيمَانِ فِي كَفَّارَةِ القَتْلِ، وَأَطْلَقَهَا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، فَيجِبُ صَرْفُ المُطْلَقِ إِلَى المُقَيَّدِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ حَمْلِ المُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ فِيهِ خِلَافٌ، وَالحَنَفِيَّةُ لَا يُجِيزُونَه، وَذَلِكَ أَنَّ الأَسْبَابَ فِي القَضِيَّتَيْنِ مُخْتَلِفَةٌ، وَأَمَّا حُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ، فَهُوَ ظَاهِرُ العُمُومِ، وَلَا مُعَارَضَةَ عِنْدَهُ بَيْنَ المُطْلَقِ وَالمُقَيَّدِ، فَوَجَبَ عِنْدَهُ أَنْ يُحْمَلَ كُلٌّ عَلَى لَفْظِهِ).