Skip to content

الموافقات النوع الخامس في العزائم والرخص

الموافقات

الشاطبي الأصولي النحوي

Printed page ١/ ٥١٦

عُذْرُهُ هَوَى نَفْسِهِ؟!

نَعَمْ، وَضْعُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنْ تَكُونَ أَهْوَاءُ النُّفُوسِ تَابِعَةً لِمَقْصُودِ الشَّارِعِ فِيهَا، وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ فِي شَهَوَاتِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ وَتَنَعُّمَاتِهِمْ، عَلَى وَجْهٍ لَا يُفْضِي إِلَى مَفْسَدَةٍ، وَلَا يَحْصُلُ بِهَا الْمُكَلَّفُ عَلَى مَشَقَّةٍ، وَلَا يَنْقَطِعُ بِهَا عَنْهُ التَّمَتُّعُ إِذَا أَخَذَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَحْدُودِ لَهُ؛ فَلِذَلِكَ شَرَعَ لَهُ ابْتِدَاءً رُخْصَةَ السَّلَم، والقِرَاض، وَالْمُسَاقَاةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ تَوْسِعَةٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَانِعٌ فِي قَاعِدَةٍ أُخْرَى١، وَأَحَلَّ لَهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، فَمَتَى جَمَحَتْ نَفْسُهُ إِلَى هَوًى قَدْ جَعَلَ الشَّرْعُ لَهُ مِنْهُ مَخْرَجًا وَإِلَيْهِ سَبِيلًا فَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ بَابِهِ؛ كَانَ هَذَا هَوًى شَيْطَانِيًّا وَاجِبًا عليه الانكفاف٢ عَنْهُ؛ كَالْمُولَعِ بِمَعْصِيَةٍ مِنَ الْمَعَاصِي، فَلَا رُخْصَةَ لَهُ أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ هُنَا هِيَ عَيْنُ مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ بِخِلَافِ الرُّخَصِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّ لَهَا فِي الشَّرْعِ مُوَافِقَةً إِذَا وُزِنَتْ بِمِيزَانِهَا.

فَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَشَقَّةَ مُخَالَفَةِ الْهَوَى لَا رُخْصَةَ فِيهَا أَلْبَتَّةَ، وَالْمَشَقَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ فِيهَا الرُّخْصَةُ بِشَرْطِهَا، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ شَرْطُهَا؛ فَالْأَحْرَى بِمَنْ يُرِيدُ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ وَخَلَاصَ نَفْسِهِ الرُّجُوعُ إِلَى أَصْلِ الْعَزِيمَةِ، إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْأَحْرَوِيَّةَ تَارَةً تَكُونُ مِنْ بَابِ النَّدْبِ، وَتَارَةً تَكُونُ من باب الوجوب، والله أعلم.