سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق
الثالثةُ: قولُه: ثمَّ فرَّقَ بينَهما، دالٌّ على أن الفرقة بينَهما لا تقعُ إلا بتفريقِ الحاكمِ لا بنفسِ اللعانِ. وإلى هذا ذهبَ كثيرٌ مستدلينَ بهذَا اللفظِ في الحديثِ، وأنهُ ثبتَ في الصحيحِ بأنَّ الرجلَ طلَّقَها ثلاثًا بعدَ تمامِ اللعانِ، وأقرَّهُ النبيُّ ﷺ على ذلكَ، ولوْ كانتِ الفرقةُ بنفسِ اللعانِ لَبَيَّنَ ﷺ أن طلاقَه في غيرِ محلِّهِ.
وقالَ الجمهورُ: بلِ الفرقةُ تقعُ بنفسِ اللعانِ وإنَّما اختلَفُوا هلْ تحصلُ الفرقةُ بتمامِ لعانهِ وإنْ لم تلتعنْ هيَ؟ فقالَ الشافعيُّ: تحصلُ بهِ، وقالَ أحمدُ: لا تحصلُ إلَّا بتمامِ لعانِهما وهوَ المشهورُ عندَ المالكيةِ وبهِ قالتِ الظاهريةُ. واستدلُّوا بما في صحيح مسلمٍ (١) منْ قولِهِ ﷺ: "ذلكمُ التفريقُ بينَ كلِّ متلاعنينِ".
قالَ ابنُ العربيِّ: أخبرَ ﷺ بقولِه ذلكمْ عنْ قولِه: "لا سبيلَ لكَ عليها"، قالَ: كذَا حكمُ كلِّ متلاعنينِ فإنْ كانَ الفراقُ لا يكونُ إلا بمحكمٍ فقدْ نفذَ الحكمُ فيهِ منَ الحاكمِ الأعظمِ ﷺ بقولِه ذلكمُ التفريقُ بينَ كلِّ متلاعنينِ، قالُوا: وقولُه: فرّقَ بينهما معناه إظهار ذلك وبيان حكم الشرع فيه لا أنه أنشأ الفرقة بينهما، قالوا: وأما طلاقُه إيَّاها فلمْ يكنْ عنْ أمرِه ﷺ وبأنهُ لم يزدِ التحريمُ الواقعُ باللعانِ إلا تأكيدًا فلا يحتاجُ إلى إنكارِه، وبأنهُ لو كانَ لا فرقةَ إلَّا بالطلاقِ لجازَ لهُ الزواجُ بها بعدَ أنْ تنكحَ زوجًا غيرَهُ. وقدْ أخرجَ أبو داودَ (٢) عن ابن عباسٍ ﵁ الحديثَ وفيهِ: وقضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ لا بيتَ لها عليهِ ولا قوتَ منْ أجلِ أنَّهما يتفرقانِ منْ غيرِ طلاقٍ ولا متوفَّى عنْها. وأخرجَ أبو داودَ (٣) منْ حديثِ سهلِ بن سعدٍ في حديثِ المتلاعنيْنِ قالَ: مضتِ السُّنةُ بعدُ في المتلاعنينِ أنْ يفرَّقَ بينَهما ثمَّ لا يجتمعانِ أبدًا. وأخرجَهُ البيهقيُّ (٤) بلفظِ: فرَّقَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بينَهما وقالَ: "لا يجتمعانِ أبدًا"، وعنْ عليٍّ (٥) وابنِ مسعودٍ (٦) قالا: مضتِ السُّنةُ