الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي
وَعَنِ الْخَبَرِ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْآحَادِ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ (١) وَإِنْ كَانَ حُجَّةً وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالثِّقْلَيْنِ الْكِتَابُ وَالْعِتْرَةُ، بَلِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: " «كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّتِي» " وَإِنْ كَانَ كَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرَ أَنَّهُ أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ ﵇ وَرِوَايَتُهُمْ حُجَّةٌ، وَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَى ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَإِنَّمَا خَصَّهُمْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ أَخْبَرُ بِحَالِهِ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ (٢)
ثُمَّ مَا ذَكَرُوهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ ﵇: " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» (٣) ، " «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» " (٤) ، وَبِقَوْلِهِ: " «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» "، وَبِقَولِهِ: " «خُذُوا شَطْرَ دِينِكُمْ عَنِ الْحُمَيْرَاءِ» " (٥) وَلَيْسَ الْعَمَلُ بِمَا ذَكَرْتُمُوهُ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرْنَاهُ.
وَعَنِ الْمَعْقُولِ ; أَمَّا اخْتِصَاصُهُمْ بِالشَّرَفِ وَالنَّسَبِ فَلَا أَثَرَ لَهُ فِي الِاجْتِهَادِ وَاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْ مَدَارِكِهَا، بَلِ الْمُعَوَّلُ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ لِلنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَمَعْرِفَةِ الْمَدَارِكِ الشَّرْعِيَّةِ وَكَيْفِيَّةِ اسْتِثْمَارِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الشَّرَفُ وَلَا قُرْبُ الْقَرَابَةِ.
وَأَمَّا كَثْرَةُ الْمُخَالَطَةِ لِلنَّبِيِّ ﵇، فَذَلِكَ مِمَّا يُشَارِكُ الْعِتْرَةُ فِيهِ الزَّوْجَاتِ وَمَنْ كَانَ يَصْحَبُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ مِنْ خَدَمِهِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَمَّا الْعِصْمَةُ فَلَا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهَا لِمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْكُتُبِ الْكَلَامِيَّةِ.
وَأَمَّا الْآيَةُ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُرَادَ بِنَفْيِ الرِّجْسِ إِنَّمَا هُوَ نَفْيُ الظِّنَّةِ وَالتُّهْمَةِ عَنْ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ ﵇ وَذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الْخَطَأِ وَالضَّلَالِ فِي الِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.