شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - حطيبة
شرح حديث وفد عبد القيس
في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: (قدم وفد عبد القيس فقالوا: يا رسول الله! نحن من ربيعة وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، فلسنا نصل إليك إلا في الشهر الحرام، فمرنا بأمر نأخذ به وندعو إليه من وراءنا)، وكأن هذا الحي لم يزل على كفره إلى أن وفد وفد عبد القيس هذا، فقال: (آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله) يعني: آمركم بالإيمان بالله، قال: (وهو شهادة أن لا إله إلا الله، وعقد بيده) أي: أنه أشار بيده وكأنه يقول: فهذه واحدة، قال: (وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان)، فهذه الخصال الأربع التي أمرهم النبي ﷺ بها.
وقوله: (شهادة أن لا إله إلا الله) دليل على ما بعدها، وهي شهادة أن محمداً رسول الله، ويطلق على هاتين الشهادتين مسمى: كلمة التوحيد، ولم يذكر الحج في الحديث مع أنهم جاءوا في السنة الثامنة من الهجرة بعد فرض الحج؛ لأنهم لم يكونوا مستطيعين الحج، وإنما يجب الحج على من استطاع إليه سبيلاً.
ثم زادهم فرضاً خامساً فقال: (وأن تؤدوا لله خمس ما غنمتم) فإذا جاهدتم في سبيل الله ﷿ وغنمتم فعليكم الخمس المذكور في سورة الأنفال في قوله سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال:٤١]، وهذا الخمس الخاص بالله ﷾ يخرج قبل توزيع الغنائم، ثم يأخذ المجاهدون أربعة أخماس من المغنم فيما بينهم.
ثم قال ﷺ (وأنهاكم عن أربع: عن الدباء، والحنتم، والنقير، والمقير أو المزفت)، وهذه أربعة أشياء يكون التخمر والفساد فيها سريعاً فنهاهم عنها، وإن كان بعد ذلك قد رخص لهم الشرب في جميع الأواني إلا أن يكون محرماً.
قال: (أنهاكم عن الدباء)، الدباء: هو القرع، سواء كان القرع العسلي أو اليابس، فيعمد إلى هذا القرع فيفتح فيه فتحة بسيطة ويأخذ ما بداخله، فيصير كهيئة الإناء، فيطرح فيه النبيذ، والنبيذ: هو الشراب الذي ينبذ فيه التمر أو الزبيب، والنبيذ على وزن فعيل بمعنى مفعول، فهو الشيء المنبوذ الملقى بداخله، فإذا وضع التمر أو الزبيب داخل هذه القرعة أخذ في التخمر والتحول بسرعة كبيرة، فيصير خمراً، فنهاهم ﷺ عن ذلك.
قال: (والحنتم)، وهو: نوع من أنواع الجرار لها فم في جانبها، وكان لون هذه الجرار أخضر، والحنتم أو الحنتمة شيء واحد، يستعملونها كالأواني فيشربون فيها الخمر، وقد نهاهم النبي ﷺ عن ذلك سداً للذريعة، ولئلا توسوس لهم أنفسهم بعد ذلك فيشربون الخمر.
ونهاهم كذلك عن: (النقير)، والنقير: مأخوذ من النقرة، وهو أن يأخذ جذعاً ملقى على الأرض فينقر فيه نقرة فيجعله مجوفاً، فيضع فيه النبيذ ويغطيه، فيتخمر سريعاً فيشربه، فنهاهم عن ذلك أيضاً.
ونهاهم كذلك عن: (المزفت أو المقير)، وهو الإناء المطلي بالقار أو الزفت، فعندما يوضع فيه النبيذ يسخن إلى أن يتخمر، وقد نهاهم النبي ﷺ عن ذلك أيضاً.
فقالوا للنبي ﷺ: (إن أرضنا كثيرة الجرذان، ولا تبقى فيها أسقية الأدم -أي: أسقية الجلود، وهذه الأسقية تأكلها الجرذان- فقال ﷺ: وإن أكلتها الجرذان، وإن أكلتها الجرذان، وإن أكلتها الجرذان).
وهذا كان في البداية، حتى يمتنع الناس عن الخمر بتاتاً، فلما تعودوا على التحريم بعد ذلك أخبرهم أن الآنية لا تحل شيئاً ولا تحرمه، فاشربوا فيما شئتم غير ألا تشربوا مسكراً، فأصبح النهي عن هذه الآنية منسوخاً بما جاء عنه ﷺ بعد ذلك أنه قال: (كنت نهيكم عن الانتباذ في الأسقية، فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكراً).
ففي البداية حرم النبي ﷺ الانتباذ في الأسقية هذه سداً للذريعة؛ لأن الإنسان قد تستهويه نفسه فتجعله يشرب الخمر بعد أن كان نبيذاً، ثم لما تعود الناس على هذا الحكم بين لهم النبي ﷺ أن الآنية لا تحرم شيئاً ولا تحله، فنسخ الحكم السابق القاضي بالنهي فأجازها.