تخطَّ إلى المحتوى
Search blog
Search blog…
كل المقالات

Articles

أربع كلمات بوزن لا يُقاس: لماذا نلتزم بالأذكار النبوية؟

يروي حديث واحد كيف رجحت أربع كلمات بصباح كامل من الذكر المطلق، بينما يوضح حديث آخر كيف رسمت السنة النبوية خطاً فاصلاً بين ما نُلقن من ألفاظ وما نُترك لاختياره. هذا الخط هو ما يدعونا للتمسك بكلمات النبي صلى الله عليه وسلم أولاً.

الكاتب
فريق معرض القرآن
تاريخ النشر
مدة القراءة
قراءة 5 دقيقة

ليس للذكر صيغة واحدة ثابتة. فيسع المرء أن يحمد الله، أو يسأله حاجته، أو يجلس ليذكره بما يفيض به قلبه من كلمات، وكل ذلك من الذكر المقبول. لذا، يحق لنا أن نتساءل: لماذا صُنفت كتب بأكملها لحفظ الألفاظ الدقيقة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يستخدمها؟ ولماذا تحمل العبارة المأثورة عنه وزناً يختلف عن المعنى ذاته إذا صغناه بكلماتنا؟ يجيبنا حديث واحد عن هذا التساؤل بلغة الأرقام والموازين، وهو حديث يستحق أن نتأمله بتمهل.

جلست أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها في مصلاها ذات صباح باكر حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة الفجر. ولما عاد بعد أن أضحى النهار، وجدها لا تزال في مجلسها. فسألها إن كانت قد بقيت على حالها تلك تذكر الله طوال ذلك الوقت. فلما أجابت بالإيجاب، علمها أمراً محدداً:

لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ

— صحيح مسلم، الصفحة المطبوعة 8/83 من ، الحديث رقم 2726، عن جويرية رضي الله عنها.

لنتأمل هذه المقارنة بوضوح. أمضت جويرية رضي الله عنها ساعات في الذكر، بصدق ودون انقطاع، وليس في الحديث ما يوحي بغير ذلك. ومع ذلك، لم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالاستزادة، أو بإطالة الجلوس، أو بالبحث عن كلمات أفضل من صياغتها. بل علمها أربع كلمات محددة، تُقال ثلاث مرات، وأخبرها أن هذا القدر اليسير -الذي لا يستغرق سوى ثوانٍ معدودة- يرجح بكل ما قالته طوال صباحها. إن السر الذي جعل هذه الكلمات الأربع ترجح بذكر الصباح كله ليس في الجهد المبذول، ولا في الصدق، فصدقها لم يكن موضع شك قط؛ بل السر يكمن في الألفاظ ذاتها.

وهنا قد يتبادر إلى الذهن اعتراض وجيه: إذا كانت ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم تحظى بهذا الأجر المضاعف، فهل يعني ذلك أن الدعاء الشخصي العفوي أقل شأناً؟ يجيبنا حديث آخر، في سياق مختلف تماماً، ليوضح أين ترسم السنة النبوية حدودها.

يروي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن الصحابة كانوا يقولون وهم يصلون خلف النبي صلى الله عليه وسلم: “السلام على الله، السلام على فلان”، يحيون الله كما يحيي الناس بعضهم بعضاً. فصحح النبي صلى الله عليه وسلم هذه الصيغة مباشرة، وعلمهم ما ينبغي قوله بدلاً من ذلك:

إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ. السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، فَإِذَا قَالَهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ

— صحيح مسلم، الصفحة المطبوعة 2/13 من ، الحديث رقم 402، عن ابن مسعود رضي الله عنه.

لاحظ طبيعة هذا التوجيه. لقد لُقنوا التحية -أي التحيات- حرفاً بحرف، وهي الصيغة ذاتها التي تتكرر في كل صلاة، وعلى لسان كل مصلٍ، وفي كل لغات النقل، دون تغيير. لكن العبارة الأخيرة تضع القلم في يد المصلي: ثم يتخير من المسألة ما شاء. لم يملأ النبي صلى الله عليه وسلم هذا الفراغ الأخير نيابة عنا، بل تركه مفتوحاً عن قصد، في ذات اللحظة التي ثبت فيها كل ما سبقه.

هذا هو النهج الذي تسير عليه سائر الأذكار النبوية. فالأوقات والأماكن والأفعال التي تتكرر في حياة كل إنسان -كالاستيقاظ، والنوم، ودخول المكان والخروج منه، والفراغ من الصلاة- خُصصت لها ألفاظ ثابتة؛ لأن علم النبي صلى الله عليه وسلم بما تقتضيه تلك اللحظات أكمل من أي شيء يمكن للمصلي أن يرتجله لنفسه. أما اللحظات الشخصية البحتة -كالحاجة الخاصة، والهم المعين، والمطلب الذي لا يناسب إلا حياة فرد بعينه- فقد تُركت لنا، عن قصد، من المعلم ذاته الذي ثبت ما سواها. ولا تعارض بين الأمرين؛ فالحديث الواحد يثبت التحيات ويطلق العنان للدعاء الذي يليها في جملة واحدة.

لكن يبقى السؤال الأصعب: لماذا ترجح ألفاظ أي إنسان -حتى لو كان النبي صلى الله عليه وسلم- على دعاء صادق يصوغه المرء بكلماته الخاصة؟ يجيب القرآن الكريم عن ذلك بوصف طبيعة كلامه صلى الله عليه وسلم في المقام الأول:

وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ

سورة النجم، 53:3

إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ

سورة النجم، 53:4

تُقرأ هاتان الآيتان معاً كبيان واحد: إن ما ينطق به لم يُصغ كما تُصاغ كلماتنا نحن، بدافع العادة أو المزاج أو الفهم القاصر. فالعبارة المأثورة عنه ليست مجرد انتقاء موفق للكلمات كما قد يكون دعاء البليغ من الناس، بل وُصفت بأنها تستمد مصدرها من خارج نطاق هواه الشخصي تماماً. وهذه مرتبة من الحجية تختلف كلياً عن أي صياغة يمكننا أن نبتكرها بأنفسنا، مهما بلغ صدقنا فيها. وهذا هو التفسير المباشر الذي تقدمه النصوص لبيان أن الوزن المذكور في حديث جويرية ليس من قبيل المبالغة.

يربط القرآن الكريم بين هذين الأمرين -الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وذكر الله- في آية واحدة، وهذا الربط ليس عرضياً في سياق الجملة:

لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا

سورة الأحزاب، 33:21

إن وصف من يتخذ النبي صلى الله عليه وسلم قدوة له لا يتوقف عند الإيمان والرجاء، بل ينص على كثرة ذكر الله كجزء من الصورة ذاتها، وفي الآية نفسها. فالأخذ بسنته بجدية لا يقتصر على السلوك والأخلاق؛ بل يمتد، وفقاً لمنطوق الآية، إلى الكيفية التي يذكر بها المرء ربه في المقام الأول. إن اللجوء إلى ألفاظه قبل اللجوء إلى ألفاظنا ليس طبقة إضافية من التورع تُفرض على الذكر، بل هو ما تصفه الآية بأنه متأصل في صميم اتباعه.

ليس في كل ما سبق تقليل من شأن الدعاء الشخصي؛ فالسنة نفسها، في ذات الحديث الذي يثبت التحيات، تمنح المصلي حرية الدعاء في الجملة نفسها. إنما الدعوى هنا أضيق نطاقاً، ونراها أكثر نفعاً: في الأذكار المرتبطة بزمان أو مكان أو فعل محدد -كالاستيقاظ، والنوم، ودخول الخلاء، وأذكار الصباح والمساء- الجأ إلى الألفاظ التي استخدمها النبي صلى الله عليه وسلم فعلياً قبل أن تلجأ إلى ألفاظك الخاصة. فالأمر لا يتعلق بدعاء أطول، ولا بصياغة أبلغ؛ وصباح جويرية الحافل بالذكر الصادق يثبت ذلك بجلاء. بل هو ببساطة التمسك بألفاظ أُوتي صاحبها مفاتيح الصواب نيابة عنا، كي لا نُترك للتخمين.

تجمع مكتبة الأذكار في معرض القرآن هذه الأذكار المأثورة مرتبة حسب الوقت والمناسبة، مع تخريج مصادرها، لكي لا يكون الوصول إلى كلمات النبي صلى الله عليه وسلم أشق من صياغة كلماتنا الخاصة.


إن وجدتم فيما سبق أي خطأ -سواء في صياغة قصرت عن أداء المعنى، أو إحالة غير دقيقة، أو ادعاء كُتب بثقة تتجاوز ما يسمح به المصدر- فأخبرونا. فتصويب الخطأ أحب إلينا من أن يُترك المقال دون مراجعة.

نسأل الله ﷻ أن يجعلنا من الذاكرين الله كثيراً، بالكلمات التي علمها رسوله ليُعلمنا إياها.