تخطَّ إلى المحتوى
Search blog
Search blog…
كل المقالات

Articles

لماذا يسمح الله بحدوث ذلك: ما يعلمنا إياه القرآن عن الابتلاء والظلم

عندما تبدو المعاناة بلا استجابة، فمن المنطقي أن نتساءل عن الحكمة من سماح الله بحدوثها. لا يُسكت القرآن هذا التساؤل، بل يجيب عليه من خلال استعراض تاريخ المبتلين، وتوضيح الفارق بين ما يقدره الله وما يحبه، مع الوعد القاطع بأن الظلم لا يُنسى أبدًا.

الكاتب
فريق معرض القرآن
تاريخ النشر
مدة القراءة
قراءة 6 دقيقة

حين يرى المؤمن معاناة أناس لم يقترفوا ما يستحقون عليه هذا العذاب، فإنه سيطرح على نفسه هذا التساؤل بصدق: إذا كان الله هو القوي العزيز والرحمن الرحيم، فلماذا يسمح بحدوث ذلك؟ ولماذا لا يوقفه ببساطة؟

ليس هذا التساؤل جديدًا، ولا هو من المحرمات. فقد وردت صيغ متعددة منه في القرآن الكريم نفسه؛ حيث طرحه الأنبياء وأوائل المؤمنين، ولم يُضعف هذا السؤال إيمانهم، بل زاده عمقًا بفضل الإجابة التي تلقوها. وهذه الإجابة ليست مجرد آية واحدة، بل هي رؤية متكاملة للعالم يبنيها القرآن عبر آيات عدة، تبدأ بتصحيح الافتراضات التي يستند إليها السؤال ذاته.

غالبًا ما يستند سؤال “لماذا يسمح الله بالمعاناة؟” إلى افتراض ضمني مفاده أن هذه الحياة يجب أن تكون خالية من الألم، وأن أي شيء خلاف ذلك يُعد خللًا. يصحح القرآن هذا الافتراض بشكل مباشر، مخاطبًا المؤمنين الذين قد يظنون أن الإيمان وحده كفيل بإعفائهم من المشاق:

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا۟ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ۗ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ

سورة البقرة، 2:214

تأمل هذه الآية بعناية: حتى الرسل، والمؤمنون الذين وقفوا إلى جانبهم، زُلزلوا لدرجة أنهم صرخوا طلبًا للنصر. ليس هذا وصفًا لضعف في الإيمان، بل هو تصوير قرآني لحقيقة الابتلاء حين يمس أقرب الناس إلى الله. فهذه الحياة هي دار بلاء واختبار، وليست دار جزاء. والجنة ليست النتيجة التلقائية لمجرد الوجود في هذه الحياة؛ بل هي منزلة تُكتسب، ولم يكن ثمنها يومًا هو الراحة والدعة.

تتجلى هذه الحقيقة في تجربة أحد الصحابة الكرام. فقد روى خباب بن الأرت (رضي الله عنه) أنه شكا هو وغيره إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ما يلقونه من اضطهاد، طالبين منه أن يدعو الله لهم بالفرج. لم يقلل النبي من شأن ألمهم في رده، بل وسّع من أفق نظرتهم للأمور:

«قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ»

دُوّن هذا في الصفحة المطبوعة 6/2546 من . لم يقل النبي لخباب إن ما يراه كان خطأً، أو أن الأحداث قد خرجت عن سيطرة الله. بل أخبره أن هذه هي السُّنة؛ سُنةٌ مرت بها كل أجيال المؤمنين السابقة، وعاشها المسلمون الأوائل بكل تفاصيلها قبل أن يتحقق الوعد الذي كانوا يستعجلون رؤيته.

لو كانت المعاناة تعني التخلي والخذلان، لكان أقرب الناس إلى الله أقلهم معاناة. لكن القرآن الكريم وتعاليم النبي (صلى الله عليه وسلم) تؤكد عكس ذلك تمامًا. فحين سأل أحد الصحابة عن أشد الناس بلاءً، أجاب النبي (صلى الله عليه وسلم):

«قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ البَلاءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ»

دُوّن هذا في الصفحة المطبوعة 4/203 من ، وهو حديث حسن صحيح. وفي الباب نفسه، ورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) في رواية أخرى بالسند ذاته أنه قال:

«إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ»

دُوّن هذا في الصفحة المطبوعة 4/202 من ، وهو حديث حسن غريب. تهدم هاتان الروايتان معًا الافتراض القائل بأن الألم دليل على الإهمال الإلهي. فقد وقعت أشد الابتلاءات في تاريخ البشرية على الأنبياء، ليس لأن الله أعرض عنهم، بل لأن قربهم منه كان هو السبب في أن الابتلاء جاء متناسبًا مع منزلتهم. إن القوم الذين ينظرون إلى معاناتهم ويتساءلون عما إذا كان الله لا يزال يحبهم، يطرحون السؤال -وفقًا لمنطق هذا الحديث- بطريقة معكوسة.

هنا يضع القرآن فارقًا دقيقًا غالبًا ما يغفله السؤال نفسه: وهو الفارق بين قضاء الله بوقوع حدث ما، وبين محبته أو رضاه عن فعل من ارتكبه. ولا يتجلى هذا بوضوح في أي موضع كما يتجلى في الآيات التي نزلت في أعقاب غزوة أحد، وهو أحد أشد الأيام إيلامًا التي عاشها المجتمع الإسلامي الأول:

إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُۥ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ

سورة آل عمران، 3:140

إن قضاء الله بتداول أيام العسر واليسر بين الناس لا يعني بحال من الأحوال محبته للظالم الذي يتسبب في هذه المشقة. فالآية تجمع بين الحقيقتين في آن واحد: يُسمح لهذه الأيام بأن تتداول، والله لا يحب من يرتكب الظلم فيها. فالإذن بوقوع الأمر، لحكمة لم يكشفها الله بالكامل، لا يمثل تزكية أخلاقية للفعل؛ وهذا ما يصرح به القرآن بوضوح، وليس مجرد استنتاج يُترك للقارئ. وتأتي الآيات التي تليها مباشرة لتوسع من دائرة الحكمة:

وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ

سورة آل عمران، 3:141

وبعدها بآيات قليلة:

وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُوا۟ ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ قَـٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُوا۟ ۖ قَالُوا۟ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّٱتَّبَعْنَـٰكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَـٰنِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ

سورة آل عمران، 3:167

لا يحل الابتلاء بقوم ثم يتركهم كما كانوا؛ بل هو يفرز اليقين الصادق عن مجرد الادعاء. فالمشقة بهذا الحجم تكشف من كان يتحدث بالإيمان فحسب، ومن كان يعيشه حقًا، وتطهر المؤمنين الصادقين من الذنوب التي كانت حياة الدعة والراحة ستتركهم محملين بها. ولا يتطلب أي من ذلك الاعتقاد بأن المشقة ذاتها كانت محبوبة لله، بل يكفي أن نوقن بأن الله، الذي يعلم ما لا يراه البشر، قد أذن بها لحكمة تخدم غايات تتجاوز اللحظة الآنية التي يعيشها الإنسان.

إن أقسى ما في مشاهدة الظلم ليس الظلم ذاته، بل الخوف من أن يُسمح له بالمرور هكذا، دون أن يُسجل أو يُحاسب عليه. يخاطب القرآن هذا الخوف بشكل مباشر:

وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَـٰرُ

سورة إبراهيم، 14:42

التأجيل لا يعني الإلغاء. فما يبدو، من منظور عمر الإنسان القصير، وكأنه ظلم يمر دون عقاب، يُوصف هنا بأنه إرجاء ليوم محدد، وليس غفلة أو غيابًا للعدالة. ويؤكد القرآن على المعنى ذاته عند الحديث عن الأمم التي سبقتنا:

قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ

سورة آل عمران، 3:137

هذه السنن -وهي القوانين الثابتة التي يدبر الله بها مجرى التاريخ- تعني أن الصراع بين الحق والباطل ليس بجديد، وأن نتيجته لا تُقاس بمن هو الأعلى صوتًا أو الأقوى شوكة في عقد من الزمان. فموازين القوة تتبدل. ولا يعاقب الله الظالم دائمًا في يومه، أو في عامه، أو في دورة الأخبار الحالية، لكن القرآن يؤكد إصرارًا على أن السجل محفوظ، وأن للتأجيل أمدًا، وهذا الأمد لا يحدده المبتلون أنفسهم.

لا يُطرح أي من هذا كحجة تنهي ألم مشاهدة معاناة الآخرين. فالقرآن لا يطلب من المؤمنين أن يتوقفوا عن الشعور بهذا الألم، بل يطلب منهم أن يحملوه دون أن يفقدوا البصيرة التي تمنح هذا الألم معناه. لقد ابتلى الله الأنبياء أشد البلاء لأن قربهم منه، لا بعدهم عنه، هو ما استوجب هذا الابتلاء؛ ويأذن الله بتداول الأيام بين العسر واليسر دون أن يعني هذا الإذن محبته للظلم؛ وما يبدو صمتًا تجاه الظالم إنما هو إرجاء ليوم موعود، وليس قرارًا بالنسيان.

إن المطلوب ممن يشاهد هذه الأحداث هو ذاته ما طُلب من كل جيل ذُكر في هذه الآيات: صبر لا يتحول إلى سخط، ولجوء إلى الله بدلًا من الابتعاد عنه. اقرأ القرآن، وادعه مباشرة، وتمسك بالوعد الذي أُعطي للمؤمنين الذين زُلزلوا في كل عصر مضى: أن نصر الله قريب. يوفر قارئ معرض القرآن النص الكامل لكل آية ذُكرت هنا، لمن أراد أن يتدبر هذه الآيات مطولًا بدلًا من قراءتها كمجرد مقتطفات في مقال.