Articles
من هو الله: الوصف الذي وصف به نفسه
قبل أن تخافه، أو ترجوه، أو تحبه، لا بد أن تعرف من هو. وقد أجاب القرآن عن هذا السؤال مباشرة، بكلماته سبحانه، في سورة الإخلاص، وآية الكرسي، وخواتيم سورة الحشر.
- الكاتب
- The Quran Gallery team
- تاريخ النشر
- مدة القراءة
- قراءة 6 دقيقة
“صِفْ لنا ربَّك”. يذكر المفسرون أن هذا السؤال وُجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة، ومن أكثر من طائفة، بعبارات تتعامل مع الله جل جلاله وكأنه مجرد شيء من الأشياء، وإنما يفوقها حجماً. سأل بعضهم عما إذا كان من ذهب أو فضة أو حديد أو خشب. وسأل آخرون، متوقعين إجابة توافق ما قرأوه في التوراة، عما إذا كان يأكل ويشرب، ومن سيرث ملكه من بعده. كلا الفريقين افترض أن “الإله” هو نسخة أكبر وأغرب من المخلوقات، يمكن وصفه بالمقاييس ذاتها التي يوصف بها أي شيء آخر.
وقد حُفظت إجابة القرآن عن كلا السؤالين معاً في ثنايا تفسير البغوي، في الصفحة المطبوعة 8/584 من طبعة : حيث سمّى السائلين، ودوّن السؤال بكل صِيَغِه، وبيّن بوضوح أن سورة كاملة نزلت رداً على ذلك. هذه السورة، وموضعان آخران استعملهما القرآن لوصف الله، ليست مجرد حجج منطقية، بل هي وصف مباشر؛ الوصف الذي وصف به نفسه، بكلماته سبحانه، وهو دقيق بما يكفي ليتمكن القارئ الجاد من استحضار عظمته دون أن يخلط بينه وبين ما سواه. هذا هو الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء: فلا يمكنك أن تخاف، أو ترجو، أو تحب من لم تعرفه حق المعرفة.
قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدٌۢ
أربع آيات قصار تجيب عن كلا السؤالين في آن واحد. فهو “أحد”، لا شريك له ولا يتجزأ، وهذا وحده ينفي احتمال كونه من “ذهب أو حديد” باعتباره خطأً في أصل التصور وليس مجرد تخمين خاطئ. وهو “الصمد”، الذي تقصده الخلائق كلها في حوائجها بينما لا يفتقر هو إلى شيء. وهذا وحده يجيب عن سؤال “هل يأكل ويشرب؟”، لأن الأكل والشرب من صفات الكائن الذي يعتمد على شيء خارج عن ذاته ليبقى حياً، والافتقار هو نقيض ما تعنيه صفة “الصمد”. وهو “لم يلد ولم يولد”، فلا والد له ولا ولد، مما يغلق الباب أمام سؤال “من يرثه؟” قبل أن يُطرح؛ فالإرث يفترض الموت، والموت يفترض بداية للوجود. و”لم يكن له كفواً أحد”، فلا يماثله شيء، لا في الرتبة ولا في النوع. أربع آيات فقط كانت كفيلة بهدم البنيان الكامل لصناعة الآلهة الأسطورية — آلهة لها أجساد، وآلهة لها أبناء، وآلهة تشيخ وتموت وتورث عروشها لمن بعدها — ونفيها بالكلية.
ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ
وإذا كانت سورة الإخلاص تجيب عن السؤال بالنفي والتنزيه — ليس كذا، وليس كذا، ولا كفء له — فإن آية الكرسي تجيب عنه بالوصف والإثبات. فهو الحي، بحياة لم تبدأ ولن تنتهي؛ وهو القيوم الذي يقيم وجود كل شيء سواه ولا يفتقر إلى شيء منها. لا تغلبه سِنَةٌ في أثناء تدبيره للخلق، ولا يحتاج إلى النوم ليستريح من عناء. وعلمه لا يُجمع شيئاً فشيئاً من الأدلة كما هو حال علمنا؛ بل هو يعلم كل شيء، وعلمه لا يحده حد. و”كرسيه” — وهي كلمة ربطها المفسرون الأوائل بملكه، وهو غير العرش الأعظم — يسع السماوات والأرض مجتمعتين، ولا يثقله أو يكرثه حفظهما.
وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا۟ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَـٰٓئِهِۦ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ
إن معرفة الله تعني معرفة أسمائه التي يُدعى بها، لأن هذه الأسماء ليست مجرد ألقاب أُطلقت عليه لاحقاً للزينة، بل كل اسم منها يفتح باباً لحقيقة من حقائقه سبحانه لا يفتحها غيره. فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ»
وقد دُوّن هذا الحديث في الصفحة المطبوعة 3/198 من . و”إحصاؤها” هنا يعني أكثر من مجرد سردها وحفظها؛ بل يعني أن تدع كل اسم يعيد صياغة طريقتك في دعائه ومناجاته: فتلجأ إلى “الغفور” إذا أذنبت، وإلى “الرزاق” إذا خفت الفاقة، وإلى “السميع” حين تشعر أن دعاءك أخفت من أن يُؤبه له. والتحذير الوارد في الآية نفسها — من الذين “يلحدون” في أسمائه، فيحرفونها عن مواضعها، سواء بإنكارها، أو تفريغها من معناها، أو إطلاقها على غيره — يبرز مدى خطورة هذا الأمر. فالخطأ في أسمائه ليس زلة بسيطة؛ بل هو انحراف من أول خطوة في طريق معرفته.
… لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ
تجمع هذه الآية الكريمة شِقّي المنهج الذي اتبعه أهل السنة قديماً في التعامل مع كل وصف وصف الله به نفسه، بما في ذلك الأوصاف التي قد تبدو للوهلة الأولى، عند سماعها، موهمة بالتجسيم — كاستوائه على العرش، وأن له يداً، ووجهاً، وأنه يسمع ويبصر. الشق الأول يرفض تجريد هذه الكلمات من معانيها: فهو يسمع حقيقة، ويبصر حقيقة، ويوصف حقيقة بالاستواء على العرش — هكذا أخبر القرآن، وتفريغ هذه الكلمات من دلالاتها لتُحمل على معانٍ غامضة ليس من التنزيه في شيء، بل هو تحريف للنص. أما الشق الثاني فيرفض الخطأ المعاكس: فلا شيء من ذلك يشبه سمع المخلوق أو بصره أو استواءه، لأن قوله “ليس كمثله شيء” جاءت أولاً لتكون حاكمة على كل ما بعدها.
وحين سُئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن — شيخ الإمام مالك — سؤالاً مباشراً عن كيفية “الاستواء على العرش” (سورة طه، 20: 5)، أجاب بإجابة غدت هي الرد المعتمد عند السلف الصالح على هذا النوع من الأسئلة. وقد حُفظت هذه الإجابة في كتاب “اجتماع الجيوش الإسلامية” لابن القيم، في الصفحة المطبوعة 189 من : “الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق”. أثبِت اللفظ الذي استعمله الله بالمعنى الواضح الذي يحمله؛ وامتنع عن السؤال بـ “كيف”، لأن “كيف” سؤال يُسأل به عن المخلوقات، وهو سبحانه ليس بمخلوق.
هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ۖ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلَـٰمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَـٰلِقُ ٱلْبَارِئُ ٱلْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
تجمع هذه الآيات الخواتيم الإجابة كلها في نَفَس واحد — إله، عالم، رحمن، ملك، سلام، مؤمن، عزيز، خالق، اسم يتلوه اسم دون أن يُلحق بأي منها سؤال بـ “كيف”. وقد روى معقل بن يسار رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ربط هذه الآيات الثلاث بورد الصباح والمساء: فمن قرأها بعد أن يقول ثلاث مرات “أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم”، وُكِّل به سبعون ألف مَلَك يصلون عليه حتى يمسي. وقد دُوّن هذا في الصفحة المطبوعة 5/42 من طبعة ، حيث حكم الترمذي نفسه على إسناده بأنه “غريب” — أي تفرد بروايته راوٍ واحد، وهي ليست أعلى درجات الصحة التي يمكن أن يبلغها الحديث، ومن الأمانة العلمية معرفة ذلك بدلاً من ترديده وكأنه قطعي الثبوت.
وهذه الأمانة في حد ذاتها جزء من الغاية. فمعرفة الله كما وصف نفسه ليست نهاية المطاف في العبادة، بل هي الأساس الذي يقوم عليه كل جزء آخر منها. فلا يمكنك أن تخاف اسماً لم تتعلمه، أو ترجو رحمة لا تستطيع وصفها، أو تحب رباً لم تعرفه إلا في خيالك. ولهذا صُمم قسم الأذكار في معرض القرآن: نصوص صحيحة، وأحكام حديثية أمينة، لتكون على يقين تام مما تقوله عن الله — في الصباح، وفي المساء، وفي كل لحظة عادية بينهما.
نسأل الله ﷻ أن يجعلنا ممن عرفوه كما وصف به نفسه، ودعوه بأسمائه الحسنى.