Articles
ليس بالعدد: شروط النصر في القرآن
يربط القرآن النصر بشرطٍ لا بعدد. تأمل في الآيتين اللتين تقرران هذه القاعدة، وفي الغزوتين — بدر وحنين — حيث يوضح القرآن نفسه كيف تتجلى هذه القاعدة من كلا الجانبين.
- الكاتب
- The Quran Gallery team
- تاريخ النشر
- مدة القراءة
- قراءة 4 دقيقة
حين يتحدث القرآن عن النصر، فإنه لا يستهل حديثه بإحصاء العتاد أو الرجال، بل يبدأ بشرط؛ عهد متبادل بين المؤمن والله، يُقرَّر كقاعدة قبل أن يظهر كنتيجة. وقد صاغت آيتان هذه القاعدة بكلمات تكاد تكون متطابقة.
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَنصُرُوا۟ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ
إن “نصرة الله” هنا لا تعني أن الله بحاجة إلى من يعينه؛ فالسورة ذاتها التي تحمل هذه الآية تصفه بأنه “العزيز” الذي لا يفتقر إلى أحد. بل تعني الوقوف مع قضيته: إعلاء دينه، وتلبية ندائه، والدعوة إليه، والدفاع عنه إذا ما تعرض للهجوم. وتربط الآية هذا الفعل الواحد بجزاء من الله لا يمكن للمرء أن يبلغه بنفسه أبداً؛ ألا وهو الثبات عند الشدائد، والذي وُصف هنا بتثبيت الأقدام.
وتتكرر هذه المعادلة ذاتها بعد بضع سور، لكنها تأتي هذه المرة في صيغة قسم لا في صيغة شرط، لتكون توكيداً أشد للوعد نفسه.
ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَٰتٌ وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ
تمنح الآية جماعةً مظلومةً ومُهجَّرة الإذن بالدفاع عن نفسها، وتؤسس هذا الإذن على مبدأ أوسع قبل أن تمضي قُدماً: فنصرة الله لمن ينصره هي السبب في ألا ينهار توازن العالم لصالح الطرف الأقوى في لحظة ما. وفي تعليقه على هذه الخاتمة، يلخص ابن كثير هذا المنطق في جملة واحدة: من ينصره القوي العزيز فهو المنصور، وخصمه هو المقهور المغلوب، وهو قول يدعمه بالإشارة إلى قوله تعالى في موضع آخر بأن رسله والذين يقفون مع قضيتهم هم الغالبون في النهاية . فالشرط والنتيجة هما الحدث ذاته منظوراً إليه من زاويتين.
لا يترك القرآن هذه القاعدة مجردة، بل يقدم مثالاً عملياً، ويضع شطريها جنباً إلى جنب في نصه؛ غزوة كان فيها المؤمنون قلة، وأخرى كانوا فيها كثرة.
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
في بدر، خرج المسلمون بأعداد أقل بكثير من عدوهم، ولم تخفف الآية من وقع ذلك، بل سمته بوضوح “أذلة”، أي ضعفاء وقليلي العدد، ليكون هذا هو الظرف الذي تنزل فيه نصر الله. لم تكن الأعداد هي المتغير الذي صنع النتيجة، لأنه بحساب الأرقام كانت الكفة الأضعف من نصيب المؤمنين. وبعد بضع سور، يعود القرآن إلى الكلمة ذاتها — النصر — في غزوة انقلبت فيها موازين الأعداد.
لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًٔا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ
في حنين، حشد المسلمون أكبر قوة جمعوها حتى تلك اللحظة، ويُذكر أن أحدهم قال قبل بدء القتال: “لن نُغلب اليوم من قلة”. وتسمي الآية هذه الثقة بعينها — “إذ أعجبتكم كثرتكم” — بوصفها اللحظة التي كادت أن تتحول فيها المعركة إلى هزيمة ساحقة، قبل أن يُنزل الله سكينته وجنوداً لم يروها لتنقلب الموازين مجدداً. وفي تعليقه على هذه الآية، يستخلص الطبري النتيجة التي يُراد تعليمها من قراءة الغزوتين معاً: النصر بيد الله ومن عنده، وليس مرهوناً بالعدد أو القوة، وهو يؤتيه الفئة القليلة على الكثيرة، أو يسلبه من الكثيرة لصالح القليلة، تماماً كما يشاء . وبقراءتهما معاً، تمثل بدر وحنين قاعدة واحدة تُعرض من كلا الاتجاهين: فالقلة لم تحرم المؤمنين من نصر الله، والكثرة لم تضمنه لهم. إن ما تغير بين الغزوتين لم يكن تعداد المقاتلين في الميدان، بل حال الرجال الواقفين فيه.
إذا لم يكن النصر سجلاً للقوة المادية، فبمَ يرتبط إذن؟ إنه لا يرتبط بعمل واحد، بل بتوجه يسميه القرآن مباشرة، بعد بضع آيات من ذكره لغزوة بدر.
إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ
إن التوكل هنا ليس سلبية أو تواكلاً؛ بل هو الاعتماد ذاته الذي مكّن قوة صغيرة في بدر من الصمود، وانتشل قوة مغترة في حنين من براثن الهزيمة. ويسجل القرآن كيف بدا هذا الاعتماد عملياً في الليلة التي سبقت بدء غزوة بدر: لم يكن خطة، بل كان استغاثة.
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ
يُذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمضى تلك الليلة في الصلاة والدعاء، وهذا المشهد — مشهد المؤمن الذي لا ملجأ له إلا الله — هو ما يضعه القرآن مباشرة قبل سرده لقصة الإمداد نفسه. فالشرط والاستجابة يجتمعان في آية واحدة.
ضع هذه الأجزاء جنباً إلى جنب، لتتضح لك صورة النصر كما يرسمها القرآن. فهو لا يُحجب عن الأقلية، ولا يُضمن للأقوياء. إنه عرض قائم، قُرر مرتين كقاعدة — انصر قضية الله وتوكل عليه بدلاً من الاعتماد على ما يُحصى من العتاد — وتجلى مرتين في تاريخ القرآن نفسه، في بدر ثم في حنين، بحسابات متعاكسة وحكم واحد. اقرأ السور الكاملة التي وردت فيها هذه الآيات، باللغة العربية إلى جانب ترجمة موثوقة، في قارئ القرآن على معرض القرآن.