تخطَّ إلى المحتوى
Search blog
Search blog…
كل المقالات

Articles

الأبواب مُفَتَّحة: لماذا يستحق قدوم رمضان الفرح والاستبشار لا الهم والاستثقال

ليس رمضان عبئًا يثقل كاهلنا مرة كل عام، بل هو موسم للرحمة أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نستقبله بالفرح والاستبشار. إليك الأسباب التي تجعل من تفتيح أبواب السماء بشرى تستحق الاحتفاء.

الكاتب
فريق معرض القرآن
تاريخ النشر
مدة القراءة
قراءة 6 دقيقة

يستقبل الناس هلال رمضان كل عام بمشاعر متباينة أشد التباين. فمنهم من يعد الأيام ترقبًا لرمضان بشيء يشبه الهم والاستثقال، فلا يرى فيه إلا شهرًا للجوع، ونقصًا في ساعات النوم، وقائمة طويلة من المهام والواجبات. ومنهم من يعد الأيام بشوق ولهفة، كمن يترقب هدية طال انتظارها أحد عشر شهرًا. كلاهما ينظر إلى الثلاثين يومًا ذاتها، لكن الفارق ليس في الشهر نفسه، بل في ما يعرفه كل منهما عنه.

لم يقدم النبي صلى الله عليه وسلم شهر رمضان لأصحابه على أنه تكليف شاق يجب الاستعداد لتحمله، بل زفه إليهم كما تُزف البشائر العظيمة:

رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ لِلهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ

( ، سنن النسائي، حديث 2106)

تأمل ترتيب الكلمات في هذا الحديث. فقبل أن يُذكر الصيام كفريضة، قُدِّم الشهر على أنه منحة ربانية: أبواب تُفتَّح، وقيود تُكبَّل بها الشياطين التي تجرنا عادة إلى المعاصي، وليلة واحدة يفوق فضلها عبادة ثلاث وثمانين سنة من الأيام العادية. وقد استنبط العلماء الأوائل الذين وقفوا على هذا الحديث نتيجة مباشرة منه؛ وهي أنه الأصل في تهنئة الناس بعضهم بعضًا بقدوم شهر رمضان. فإذا كانت أبواب الجنة قد فُتِّحت، فكيف لا يُهنَّأ المؤمن؟ وإذا كانت أبواب النار قد غُلِّقت، فكيف لا يُهنَّأ المذنب؟ وإذا كانت الشياطين التي توسوس في الصدور قد صُفِّدت، فكيف لا يُهنَّأ من يجاهد نفسه ضد الفتن؟

إن هذه التهنئة الفطرية ليست مجرد عاطفة عابرة، بل هي استجابة لحقيقة واقعة: وهي أن الأجواء الروحية في هذه الأيام الثلاثين تتغير جذريًا لصالح المؤمن.

قد يظن البعض أن عبارة “تُفتَّح الأبواب” تقتصر على ليلة القدر المخبأة في العشر الأواخر من الشهر. غير أن رواية أخرى تجلي هذا الأمر، وتؤكد أن هذا التفتيح يحدث في كل ليلة من ليالي الشهر:

إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ وَيُنَادِي مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ

( ، سنن الترمذي، حديث 682)

اقرأ هذا النداء مرة أخرى: يا باغي الخير أقبل. إنه نداء لا يقتصر على العلماء، ولا على من اعتادوا قيام الليل، ولا يخص فئة بعينها، بل هو موجه لكل من لديه الرغبة في الإقبال على الله ﷻ. إن رمضان ييسر سبل الطاعات ويجعل اقتراف المعاصي أشد صعوبة على الجميع بالتساوي، في كل ليلة، وعلى مدار شهر كامل. إنها دعوة مفتوحة لا تتطلب شروطًا مسبقة.

إذا كان لرمضان كل هذا الفضل العظيم، فمن المنطقي أن نتساءل: لماذا لا يتجاوز الثلاثين يومًا؟ يجيب القرآن الكريم عن هذا التساؤل إجابة مباشرة، في ذات الآية التي فرضت الصيام:

أَيَّامًا مَّعْدُودَٰتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُۥ ۚ وَأَن تَصُومُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

(سورة البقرة، 2:184)

إن قوله تعالى “أَيَّامًا مَّعْدُودَٰتٍ” ليس تهوينًا من مشقة الصيام، بل هو حكمة ربانية مقصودة. فقد كان بوسع الله ﷻ أن يجعل الصيام فريضة على مدار العام كحال الصلوات الخمس، لكنه سبحانه حصر هذه الانطلاقة الروحية الشاملة في فترة زمنية محددة ومعلومة من العام؛ فترة طويلة بما يكفي لتغيير العادات، وقصيرة بما لا يدع مجالًا لأحد أن يدعي العجز عنها. بل إن الرخص التي تضمنتها الآية نفسها — من مرض، وسفر، وعجز حقيقي — تدل على أن هذا الشهر رحمة تتسم باليسر والمرونة، وليس اختبارًا تعجيزيًا لكسر النفوس.

وللسلف الصالح نظرة ثاقبة في هذا الشأن يجدر بنا استصحابها في هذا الشهر. فقد كانت حفصة بنت سيرين تنقل عن التابعي الجليل أبي العالية قوله إن الصائم في عبادة ما لم يغتب أحدًا، وإن كان نائمًا على فراشه. وكانت تضيف بنبرة يملؤها العجب: يا لها من نعمة أن يُكتب المرء متعبدًا وهو نائم على فراشه! هذا هو جوهر رمضان كما تصفه النصوص الشرعية: شهر ترتقي فيه الساعات العادية في صمت، وليس مجرد شهر يُطلب فيه بذل جهود استثنائية.

الصلوات الخمس محطات يومية، ويوم الجمعة محطة أسبوعية، أما رمضان فهو المحطة السنوية الكبرى. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الأثر الدقيق لهذه المحطات بقوله:

الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ

( ، صحيح مسلم، حديث 233)

إذا تأملت هذه الدورات الثلاث متراكبة، ستتضح لك الصورة. فكل صلاة تمحو ذنوبًا يسيرة، وكل أسبوع يمحو ما هو أكبر، وكل رمضان يمحو ذنوب العام بأكمله. فالذي يأخذ هذا الشهر بحقه لا يصوم فحسب، بل يُمنح فرصة هي الأقرب إلى بدء صفحة بيضاء نقية في هذه الحياة، وفق موعد معلوم يترقبه. وقد عبر ابن القيم عن هذه الفكرة بعبارة أدق حين قال: من صلح له يوم جمعته صلح له سائر أسبوعه، ومن صلح له رمضانه صلح له سائر سنته.

هذا المعنى يستحق منا وقفة تأمل قبل أن يهل علينا الشهر. فليس رمضان انقطاعًا عن بقية العام، بل هو الآلية التي يُعاد بها ضبط العام بأكمله. فإن تعاملت معه كحدث عابر، فلن تكاد تشعر بأثره، أما إن تعاملت معه كموعد حاسم كما هو في حقيقته، فإن الأحد عشر شهرًا التالية ستكتسب وزنًا مختلفًا تمامًا.

ليس الغرض مما سبق إثارة القلق حول مدى قدرتنا على بلوغ هذه المنزلة. فالقرآن الكريم يوجه المؤمن إلى الشعور الذي ينبغي أن يخالجه تجاه هذه المنحة، وذلك في آية نزلت في فضل الله ﷻ ورحمته بوجه عام، وطبقها أجيال من العلماء على مثل هذه المواسم العظيمة:

قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ

(سورة يونس، 10:58)

إن رمضان هو تجسيد حقيقي لفضل الله ﷻ ورحمته، جُعل له موعد محدد في تقويمنا. والتوجيه الرباني هنا ليس بتحمل مشقته، ولا بمجرد الصبر عليه حتى ينقضي، بل بالفرح والاستبشار به؛ لأن ما يقدمه يفوق كل ما يمكن للمرء أن يجمعه بجهده الذاتي الخالص. نعم، الشهر قصير، لكن أبوابًا تظل مُفتَّحة كل ليلة على مدار ثلاثين ليلة، وليلة تفوق في فضلها ألف شهر، وعامًا كاملًا من الذنوب تُمحى دفعة واحدة — كل هذا ليس بالشيء اليسير أبدًا.

لا ينبغي أن ننتظر أول أيام الصيام لنبدأ الترحيب بالشهر. بل يمكننا البدء من الآن، في الأيام التي تسبق رمضان، من خلال إحداث تغيير في ثلاثة أمور:

  • النية: حدد قبل حلول الشهر ما ترجوه منه حقًا؛ لا تكتفِ بشعور غامض برغبتك في “الاستزادة من الخير”، بل حدد أهدافًا واضحة تسعى لتحقيقها: وِردًا من القرآن، أو اعتيادًا على قيام الليل، أو صلة رحم تود إصلاحها قبل أن تُغلق الأبواب مرة أخرى.
  • الترقب: أدرك الفارق بين عد الأيام انتظارًا لعبء ثقيل، وعدها ترقبًا لموعد لا تفوتك غنيمته. إن الأحاديث المذكورة آنفًا ليست مجرد كلمات للتزيين، بل هي وصف دقيق لما يحدث فعلًا في تلك الأيام الثلاثين، سواء شعرنا بذلك أم لم نشعر.
  • الدعاء: اسأل الله ﷻ أن يبلغك الشهر، وأن يبلغك إياه في حال تعينك على الانتفاع به. إن إدامة حركة اللسان بذكره سبحانه في الأيام التي تسبق رمضان هي في حد ذاتها جزء من الاستعداد له؛ وهو أمر يجدر بك إدراجه في إيقاع حياتك اليومي من الآن، بدلًا من البدء فيه بفتور في الليلة الأولى.

وإن كنت تبحث عن طريقة منظمة للمحافظة على هذا الذكر قبل الشهر وخلاله — من خلال أدعية قصيرة وصحيحة للصباح والمساء وما بينهما — فإن أذكار معرض القرآن قد صُممت خصيصًا لهذا الغرض. إن رمضان يكافئ المستعدين له أكثر من أي شهر آخر؛ ولا يوجد وقت للبدء أفضل من هذه الأيام التي تسبقه مباشرة.

اللهم أهله علينا باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام.