Articles
مستجابو الدعاء: القاسم المشترك بين قلوبهم
تذكر النصوص الشرعية قائمة قصيرة لمن يُستجاب دعاؤهم، كالمظلوم، والمسافر، والوالد، والصائم، وغيرهم. وعند التأمل فيها مجتمعة، نجد أنها تصف قلباً واحداً بصفات مشتركة، لا مجرد تصنيف وتفاضل بين الناس.
- الكاتب
- فريق معرض القرآن
- تاريخ النشر
- مدة القراءة
- قراءة 5 دقيقة
ما من عابد رفع يديه بالدعاء إلا وتساءل في لحظة ما: هل بلغت كلماتي منتهاها؟ لم تترك النصوص الشرعية هذا التساؤل معلقاً؛ ففي مواضع عدة، نص القرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وسلم على أشخاص بعينهم يُستجاب دعاؤهم ويبلغ غايته: كالمضطر، والمظلوم، والمسافر، والوالد، والصائم، والإمام العادل، وغيرهم. وإذا نظرنا إلى هذه الفئات كقائمة، فقد تبدو وكأنها درجات ومقامات، وكأن بعض الناس يحظون بمكانة أعلى من غيرهم عند الله ﷻ. ولكن عند التأمل فيها مجتمعة، نجد أنها تصف شيئاً آخر: حالة قلبية واحدة تتكرر، وإن اختلفت الطرق الموصلة إليها.
ولنبدأ بأوسع هذه الفئات، فهي لا تتطلب ظرفاً خاصاً، بل تقتصر على الافتقار التام. يقول الله ﷻ:
أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلْأَرْضِ ۗ أَءِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ
تصف كلمة «المضطر» شخصاً انقطعت به السبل، فهو ليس مجرد إنسان حزين أو مكروب، بل هو من أُغلقت في وجهه كل الأبواب التي يمكن أن يطرقها. وهذه الحالة تُحدث أثراً عميقاً في النفس؛ فبعد أن تفشل كل الأسباب المعتادة أو تتعذر تماماً، لا يتبقى سوى اللجوء المباشر والمجرد من كل حول وقوة. في هذا المقام، لا مجال للرياء، ولا جمهور يُتزين له، ولا سند يُركن إليه سوى الله ﷻ وحده. ولم تقصر الآية هذه الحالة على فئة معينة، سواء أكان مؤمناً أم كافراً، صالحاً أم غير ذلك؛ لأنها تصف الحالة ذاتها، لا صحيفة أعمال صاحبها.
بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى اليمن وزوده بجملة من الوصايا في كيفية دعوة أهلها، وختمها بتحذير بقي خالداً تتوارثه الأجيال:
«وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»
ورد هذا في الصفحة المطبوعة 2/544 من . إذا قرأنا هذا الحديث في سياقه الأصلي، نجد أنه لا يتحدث عن المظلوم بحد ذاته، بل هو تحذير لمن يملك السلطة عليه، وهو في هذه الحالة جابي الزكاة المبعوث حديثاً إلى قوم مهزومين. إن ما يميز هذا الدعاء ليس صلاح صاحبه، بل إن وقوع الظلم عليه يجرده من وهم قدرة أي شخص آخر على إنصافه. فالمظلوم إما أنه استنفد كل السبل المعتادة، أو لم يجدها أصلاً، فلم يبق أمامه سوى اللجوء المباشر إلى الحاكم العدل الذي لا تُرد أحكامه، بغض النظر عن مدى استقامة المظلوم في بقية شؤون حياته.
يجمع أحد الأحاديث بين شخصين مختلفين تماماً تحت نفس الوعد بالإجابة. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ»
ورد هذا في الصفحة المطبوعة 3/469 من ، حيث حسّنه الترمذي. لقد ترك المسافر وراءه روتين الحياة ووسائل الراحة التي تحول عادة بين المرء وإدراكه لافتقاره وحاجته؛ كالوطن، والوجوه المألوفة، والسقف الآمن. وللسفر طبيعة تعيد هذا الافتقار إلى الواجهة. أما حالة الوالد فتختلف؛ إذ ليست المشقة هي ما يولد الإخلاص هنا، بل الحب. فدعاء الوالد لولده يخلو من حظوظ النفس التي قد تتسلل خفية إلى دعاء المرء لنفسه؛ فهو دعاء خالص من أجل شخص آخر، ينبع من رابطة تعتبرها النصوص الشرعية من أعمق الروابط الإنسانية.
يربط حديث آخر بين الصائم وشخص في موقع مختلف تماماً: الإمام. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الْغَمَامِ وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ»
ورد هذا في الصفحة المطبوعة 5/548 من ، وحسّنه الترمذي نفسه. يقضي الصائم يومه في حالة يمضي معظم الناس حياتهم في تجنبها؛ كالجوع، والعطش، ومغالبة الشهوات طواعية. وهذا الامتناع، الذي يُحفظ خالصاً لوجه الله ﷻ، هو شكل من أشكال التجرد الذاتي الذي نراه في المظلوم والمسافر. أما الإمام العادل فيندرج هنا لسبب معاكس: ليس لضعفه، بل لتعففه في قمة سلطته. فالحاكم الذي يملك أن يبطش، أو يحابي، أو يأخذ، ولكنه يختار العدل، يكون قد تخلى عن أكثر ما تحرص السلطة الدنيوية على حمايته: حظوظها ومصالحها. كلاهما تجرد من شيء ذي قيمة، أحدهما بحكم الحال، والآخر بمحض الاختيار.
هناك فئة أخرى خصتها النصوص بالذكر، وهي تعمل على محور مختلف عن كل ما سبق؛ فالمعيار هنا ليس حالتك، بل من تدعو له. فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول:
«دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ»
ورد هذا في الصفحة المطبوعة 8/86 من . ما يميز هذا الدعاء هو أن المدعو له لن يعلم به أبداً، والداعي لا يجني منه أي مكسب ملموس؛ فلا شكر، ولا ثناء، ولا حتى معرفة بأن دعاءه قد سُمع. إن أي دافع يصاحب الدعاء عادة، حتى ذلك الدافع الخفي المتمثل في الرغبة برؤية الإجابة، يغيب هنا تماماً. لا يتبقى في هذا الدعاء سوى إرادة الخير لشخص لا يملك أن يرد الجميل ولو بكلمة شكر.
تصف كل الفئات السابقة شخصاً واجه مشقة، أو ظلماً، أو بعداً، أو جوعاً، أو سلطة، أو حباً، في اللحظة التي يرفع فيها يديه بالدعاء. لكن ابن عباس رضي الله عنهما يصف طريقاً مختلفاً لنفس القبول؛ طريقاً يُبنى مسبقاً قبل حلول أي من ذلك. فقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له وهو رديفه:
«احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ…»
ورد هذا في الصفحة المطبوعة 5/19 من ، وصححه المحقق. في حين أن إخلاص المظلوم تفرضه عليه الظروف، فإن إخلاص هذا الشخص هو عادة تأصلت في الأيام العادية؛ دعاء يُرفع في أوقات الرخاء، وطاعة تُحفظ حين لا يراقبها أحد. وما يرتفع وقت الشدة، بناءً على ذلك، ليس نداء غريب، بل هو صوت مألوف طالما سمعه الله ﷻ.
إذا وضعنا هذه الحالات جنباً إلى جنب، فلن نجدها سبع أو ثماني درجات على سلم، يقبع المضطر في أسفله والمطيع في أعلاه. بل هي قفل واحد يُفتح بمفاتيح مختلفة. فالاضطرار يجرد المرء من كل عذر إلا اللجوء إلى الله ﷻ. والظلم يزيل وهم قدرة أي محكمة بشرية على إنصافه تماماً. والسفر والصيام يفرغان الجسد من وسائل راحته المعتادة طواعية. وحب الوالد ودعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب ينفيان حظوظ النفس من المعادلة كلياً. وتعفف الإمام العادل يجعله يتخلى عن سلطته بدلاً من إساءة استخدامها. أما من تعرّف إلى الله ﷻ قبل نزول البلاء، فقد قصر المسافة التي تفصله عن ربه حين حلول الأزمة. ليس في هذا كله وصفة سحرية لإجبار الإجابة؛ فالله ﷻ يستجيب لمن يشاء، بالطريقة والوقت الذي يختاره. لكن كل مثال هنا يشير إلى الاتجاه ذاته: نحو قلب توقف، بطريقة أو بأخرى، عن الركون إلى أي شيء سواه.
لا يشترط أن ينتظر هذا الإخلاص حلول مشقة، أو سفراً، أو ظلماً يقع عليك حتى يبدأ. يضم قسم الأذكار في معرض القرآن الأدعية التي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرددها؛ في الصباح، والمساء، وفي كل يوم عادي بينهما، ليكون الصوت الذي يسمعه الله ﷻ في شدتك صوتاً يألفه ويعرفه.