Articles
فضائل الخشوع: ما أعده الله للصلاة الخاشعة
لا يمكن قياس الخشوع في الصلاة بمظاهر خارجية، ومع ذلك فقد نص القرآن الكريم والأحاديث النبوية بوضوح على ما أعده الله له: منزلة بين المفلحين، وعودة إلى نقاء الفطرة كالمولود الجديد، ومغفرة لما تقدم من الذنوب، وجنة مضمونة.
- الكاتب
- The Quran Gallery team
- تاريخ النشر
- مدة القراءة
- قراءة 5 دقيقة
ليس للخشوع حد فقهي أدنى. فلا توجد زاوية معينة لانحناء الرأس، ولا مدة محددة للسكون، ولا غض للبصر مسجل في كتب الفقه كحد فاصل بين الصلاة الخاشعة وغيرها. إنه أمر قلبي خالص؛ لا يراه من يصلي بجوارك، ولا يحصيه من يعد ركعاتك. ولأنه لا يمكن التحقق منه من الخارج، فإن النصوص التي تتحدث عنه تفعل ما يندر أن تفعله بقية أبواب الفقه: فهي تسمي، بوضوح وبشكل مباشر، ما أعده الله له. ليس مجرد شعور، بل منزلة بين المفلحين، وعودة إلى نقاء لم تعهده منذ طفولتك، ومغفرة لكل ما سلف، وجنة مضمونة. أربعة وعود، يرتكز كل منها على ذات الشرط الباطني، وكل منها يستحق أن يُقرأ بتمعن.
تُفتتح سورة المؤمنون بذكر الصفات التي تجعل المؤمن “مفلحاً” - وهو من نال “الفلاح”، وهي كلمة تحمل معاني النجاح والفوز في الدنيا والآخرة. وأول صفة في تلك القائمة ليست الصدقة، ولا الصيام، ولا الأمانة في المعاملات، بل هي الخشوع في الصلاة.
قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ تأمل الترتيب مرة أخرى. قبل أن تصل الآيات إلى الزكاة، أو حفظ الفروج، أو رعاية الأمانات والعهود - وكلها مذكورة بعد بضع آيات - فإن أول صفة تُذكر هي ما يفعله المرء بقلبه وهو قائم يصلي. فالنجاح، كما تفتتحه هذه السورة، يبدأ من هناك. وكل ما تضيفه الآيات بعد ذلك يُبنى على هذا الأساس الأول: صلاةٌ تُؤدى بقلب حاضر، لا بمجرد حركات تؤديها الجوارح.
أطول رواية في هذا الشأن تأتي من رجل سعى للقاء النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسمع به معظم الناس. فقد ارتحل عمرو بن عبسة، وكان حينها لا يزال على الشرك، إلى مكة بناءً على شائعة مفادها أن رجلاً هناك يأتي بأمر جديد. وجد النبي صلى الله عليه وسلم مستخفياً من قومه، فطلب منه أن يعلمه. وبعد سنوات، حين هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولحق به عمرو أخيراً، سأله مباشرة: علمني مما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة، أخبرني عن الوضوء. فجاءه الجواب واصفاً كيف يغسل الوضوء الخطايا من كل عضو، ثم خُتم بالحديث عن الصلاة ذاتها:
فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ، إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ — صحيح مسلم، النسخة المطبوعة صفحة 1/569 من ، من حديث عمرو بن عبسة، برواية أبي أمامة.
الألفاظ هنا دقيقة في تحديد ما يوجب هذا الأجر: ليس الغسل وحده، ولا القيام وحده، بل قلب تفرغ لله - لم يبق فيه شيء من شواغل اليوم. وقد تعجب أبو أمامة، الصحابي الذي سمع هذا من عمرو، من عِظم هذا الأجر، وكيف يُمنح كل هذا العطاء مقابل عمل يسير كهذا. فكان جواب عمرو، الذي قاله في أواخر حياته، أنه لم يكن ليحدث بأمر بهذا الثقل لو سمعه مرة واحدة فقط؛ بل أحصى سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من سبع مرات قبل أن يجرؤ على التحديث به.
توضأ عثمان بن عفان رضي الله عنه يوماً أمام جماعة من الناس، مقتدياً في كل خطوة بما رآه من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أخبرهم بما يترتب على ذلك.
مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ — صحيح البخاري، النسخة المطبوعة صفحة 1/44 من ، عن عثمان برواية مولاه حمران، الذي كان يقف قريباً بما يكفي لمراقبة كل خطوة من الوضوء الذي وصفه.
لاحظ ما اشترطه الحديث، وما لم يشترطه. لم يقل من صلى ركعتين أداهما بشكل صحيح. فالحركات الصحيحة مفروغ منها - والمشهد كله كان تطبيقاً عملياً من عثمان لذلك. بل الشرط الذي أُضيف فوق ذلك هو لا يحدث فيهما نفسه - أي ألا يترك عقله يسترسل في حديث النفس بأي شيء آخر طوال قيامه في تينك الركعتين. هذه هي الإضافة التي يضفيها الخشوع على صلاة صحيحة فقهياً، وبها تعلقت المغفرة.
روى عقبة بن عامر رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول المعنى ذاته بعبارة أصرح، وهو قائم يخطب في الناس:
مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ — صحيح مسلم، النسخة المطبوعة صفحة 1/209 من ، من حديث عقبة بن عامر.
وفي الرواية سطر آخر يستحق الوقوف عنده. يقول عقبة إنه ما كاد ينتهي من ترديد هذا الحديث حتى سمع صوتاً من خلفه - وهو صوت عمر بن الخطاب - يقول إن الحديث الذي سبقه كان أعجب وأفضل. إن موازنة صحابيين بين وعدين عظيمين عن الخشوع، واعتبار أحدهما أروع من الآخر، ليس تفصيلاً كان الحديث بحاجة إلى حفظه. لكنه حُفظ على أي حال، لأنه يوضح أثر هذه الكلمات في نفوس من سمعوها مباشرة.
إن أوضح صورة لما تثمره هذه الوعود الأربعة في نفس المرء لا تأتي من رواية قولية، بل من شهادة عيان على حالة جسدية. ففي أثناء حصار مكة، وبينما كانت الكعبة ذاتها تُرمى بالمنجنيق، كان عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما ساجداً حين سقط حجر من المنجنيق قريباً منه لدرجة أنه مزق جزءاً من ثوبه.
— من رواية عمرو بن دينار، المذكورة في كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح، النسخة المطبوعة صفحة 4/186 من : كان في السجود، فأخذ الحجر جزءاً من ثوبه، ولم يرفع رأسه.
لا شيء في هذا المشهد يوحي بأنه مجرد ثبات تدرب عليه الجسد. بل هو قلب لم يبق فيه، في تلك اللحظة بالذات، متسع للانتباه إلى منجنيق - إنه ذات التفريغ القلبي الذي وُعد عليه عمرو بن عبسة بمغفرة الذنوب، ولكنه تحقق هنا في ظروف أشد قسوة بكثير من ركعة عادية يصليها المرء في بيته.
بجمع هذه النصوص، يتضح ما تكفل الله به لحالة لا يمكن لأحد غيره أن يطلع عليها: أولى علامات المفلحين، وقلب يعود إلى نقاء المولود الجديد، ومغفرة لكل ما سلف، وجنة أصبحت حقاً واجباً. لم يُعرض أي من ذلك مقابل هيئة الركوع أو طول السجود. بل ترتكز الوعود الأربعة على شرط واحد: قلب حاضر، مفرغ من كل شيء سوى من يقف بين يديه.
هذا المعنى يستحق أن تستحضره في صلاتك القادمة، أياً كانت. وإذا كان مجرد تذكر الصلوات الخمس وسط زحام اليوم يمثل عبئاً يزاحم قلبك قبل أن تبدأ الصلاة، فإن أداة مواقيت الصلاة من معرض القرآن توفر لك أوقاتاً دقيقة وتنبيهات، حتى لا تضطر الصلاة إلى منافسة مشاغل الحياة في تذكرها. وما يتبقى عليك إحضاره هو القلب ذاته. نسأل الله أن يجعل صلواتنا من الصلوات التي سماها خاشعة، وأن يتقبلها منا ومنكم.