Articles
دعاء لا يُرد: ماذا يجني السائل من دعائه
الدعاء ليس مجرد كلمات تُسمع، بل هو قوة فاعلة. تستعرض هذه المقالة أربعة نصوص ثابتة تصف ما يغيره الدعاء حقًا: قضاء يُرد، وإجابة لا تخيب، وباب للمغفرة لا توصد دونه ذنوب العبد، ورب يغضب إذا كف عبده عن سؤاله.
- الكاتب
- فريق معرض القرآن
- تاريخ النشر
- مدة القراءة
- قراءة 5 دقيقة
تُدّخر أجور معظم العبادات للآخرة، وتترك دنيانا على حالها الذي وجدتها عليه. أما الدعاء، فقد ورد أنه يُحدث أثرًا أعجل من ذلك؛ إذ وُصف بأنه يبلغ ما سبق به القضاء، ويضمن الإجابة ولا يتركها للاحتمالات، ويشرع أبواب المغفرة التي قد تبدو موصدة بسبب صحيفة العبد المثقلة بالذنوب. ولا نتحدث هنا عن مجرد مشاعر وجدانية تفيض في لحظة الدعاء، ولا عن استحقاق مسبق يجب أن يناله السائل؛ فالنصوص الأربعة الآتية تصف أثر السؤال ذاته، بغض النظر عن فصاحة السائل أو استحقاقه أو سكينته. وقد تتبعنا كل نص منها حتى مصدره المطبوع، وقرأناه كاملًا قبل إيراده هنا.
لعل أعجب ما قيل في شأن الدعاء ليس كونه سببًا للعون فحسب، بل قدرته على رد ما سبق به القضاء. فقد روى سلمان الفارسي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ — جامع الترمذي، الصفحة المطبوعة 4/18 من ، وقد حسّنه الترمذي نفسه وقال: «حسن غريب»، أي أنه ثابت وإن تفرد به راوٍ واحد، وذكر أنه لا يعرفه من وجه آخر.
بظاهر اللفظ، لا يصف هذا الحديث حظًا أو صدفة، بل يجعل الدعاء سببًا ذا ثقل حقيقي في عالم كُتبت فيه كل المقادير سلفًا. ليس لأن العبد يعلم ما قُضي به فيطلب تغيير سجل ثابت بعد كتابته، بل لأن سؤاله ذاته قد كُتب في ذلك السجل كأحد الأسباب التي قدرها الله قبل وقوع النتيجة. فالبلاء الذي نزل لا ينتفي كونه حقيقة واقعة بمجرد أن يرفع العبد يديه بالدعاء لرفعه، بل ما يتغير هو أي المسارين كان قادمًا لا محالة: مسار رُفع فيه الدعاء، أم مسار خُلي منه. ولهذا السبب قرن الحديث نفسه بين الدعاء والبر ولم يفرده وحده؛ فكلاهما سببان حقيقيان ضمن قضاء لم يُعرض قط على أنه قدر محتوم يجب على العبد أن يستقبله باستسلام.
يخبر الله المؤمن مباشرة أن نداءه لا يضيع في صمت أبدًا:
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ … — سورة البقرة، 2:186
وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة هذه الاستجابة في الواقع، في حديث حُفظ عن أبي سعيد الخدري:
مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا. قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ؟ قَالَ: اللهُ أَكْثَرُ — مسند أحمد، الصفحتان المطبوعتان 17/213–214 من . وقد ذكر الهيثمي أن رجال هذا الإسناد رجال الصحيحين غير علي بن علي الرفاعي وهو ثقة، وصحح الحاكم إسناده في موضع آخر، ووافقه الذهبي.
تأمل البنية التي يصفها الحديث: ليست نتيجتين بل ثلاث، والثالثة يسهل الغفلة عنها لأنه لا شيء يحدث فيها للعيان. فالدعوة التي تُؤجل إجابتها تظل إجابة، والأذى الذي يُصرف يظل إجابة، حتى وإن لم يعلم العبد قط ما الذي نجا منه. الحالة الوحيدة التي لا يشملها هذا الحديث هي تلك التي يخشاها الناس أكثر من غيرها: أن يسأل العبد فيُرد خائبًا؛ لأن هذه الحالة ليست في القائمة أصلًا. قد يسهل اعتبار «الادخار للآخرة» خيارًا للمواساة، يُعطى حين لا تأتي الإجابة الحقيقية، لكن الحديث لا يرتب الخيارات الثلاثة على هذا النحو. بل إنه يسجل تفاعل الصحابة أنفسهم حين سمعوا ذلك، وعزمهم على الإكثار من الدعاء، ولم يكن رد النبي صلى الله عليه وسلم تحذيرًا من المبالغة، بل كان وعدًا بأن فضل الله وعطاءه أكثر.
روى أنس بن مالك حديثًا قدسيًا — وهو ما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى، ويفترق عن القرآن في أحكامه ولكنه كلام إلهي:
يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي — جامع الترمذي، الصفحة المطبوعة 5/509 من ، وقد حسّنه الترمذي وقال: «حسن غريب»، وذكر أنه لا يعرفه من غير هذا الوجه.
الشرط المذكور هنا ليس صحيفة بيضاء نقية، بل أمران لا يزال بوسع المرء القيام بهما بعد أن يلطخ صحيفته: دعاء الله، ورجاؤه. فالعبد الذي يقرأ قائمة طويلة من زلاته ويستنتج أن الدعاء لم يعد حقًا له، قد أخطأ فهم ما يضمنه هذا الحديث تمامًا. فحجم ما يُغفر لا يرتبط بشيء سوى السؤال والرجاء الذي يصحبه، والصورة الثانية التي يضربها الحديث — ذنوب تبلغ عنان السماء — هي صورة بالغة الشدة عُمدًا. إنها ترسم الحد الأقصى لما يمكن أن يبلغه دعاء الله، ولا تصف حالة عادية، لكي لا يُتصور أن هناك ذنبًا أصغر يمكن أن يخرج عن نطاق هذه المغفرة.
معظم ما يمسك عنه العبد ولا يقدمه لله لم يرد ذكره في النصوص، لكن الصمت عن الدعاء ليس كذلك. فقد روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
إِنَّهُ مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ — جامع الترمذي، الصفحة المطبوعة 5/387 من .
تُثقل كثرة الطلبات كاهل البشر؛ فالصديق أو القريب الذي يُسأل الحاجة ذاتها مرارًا يبدأ في التبرم من رؤية السائل. لكن هذا الحديث يصف تفاعلًا معاكسًا تمامًا من الله جل جلاله: فالإمساك عن السؤال هو ما يغضبه، لا الإكثار منه. والعبد الذي لا يسأل أبدًا لم يرفع عن ربه مشقة، بل تخلف عن الفعل الوحيد الذي تصفه هذه النصوص بأنه يغير القضاء، ويضمن الإجابة، ويشرع أبواب المغفرة — رافضًا هذه الثلاثة كلها، ومسميًا ذلك تعففًا. وإذا قُرئ هذا الحديث مع ما قبله، تتضح الصورة أكثر: فالمرء الذي يمنعه كبره أو انشغاله أو استغناؤه عن السؤال لا يضيع فرصة فحسب، بل هو الحالة الوحيدة التي خصتها هذه النصوص بالغضب، لسبب دقيق وهو أن كل ثمرة أخرى — من إجابة معجلة، أو مدخرة، أو أذى مصروف — كانت معروضة عليه سلفًا قبل أن يقرر أنه في غنى عن طلبها.
بجمع هذه النصوص الأربعة، نرى أنها تصف الدعاء كركيزة أساسية لا مجرد زينة تعبدية: فهو يبلغ القضاء، وقد أوجب الله على نفسه إجابته بإحدى ثلاث طرق، وجعل المغفرة معلقة به لا بماضي العبد النقي، وأخبر أن تركه يوجب غضبه. ولم نورد شيئًا من ذلك هنا استنادًا إلى رأي مجرد؛ فكل ما سبق يستند إلى صفحات مطبوعة فُتحت وقُرئت قبل أن تُكتب في هذا المقال. ولتطبيق ذلك عمليًا اليوم بدلًا من الاكتفاء بقراءته، يجمع قسم الأذكار في معرض القرآن أدعية ثابتة لأوقات وحاجات محددة، معزوّة إلى مصادرها التي رُويت فيها.
وإن وقع في ما سبق خطأ في نقل رواية أو مبالغة في بيان دلالتها، فنحن إلى التصويب أحوج منا إلى ادعاء اليقين. نسأل الله ﷻ أن يجعلنا ممن لا يضيع دعاؤهم ولا يخيب رجاؤهم.